الأغنياء . ومعنى كونهم عيال اللّه ان ما أصابهم من الفاقة والعوز انما كان بالجري على سنن اللّه في أسباب الفقر ، وللفقر أسباب كثيرة منها الضعف والعجز عن الكسب ومنها اخفاق السعي ، ومنها البطالة والكسل ، ومنها الجهل بالطرق الموصلة ، ومنها ما تسوقه الاقدار من نحو حركات الرياح واضطراب البحار واحتباس الأمطار ، وكساد التجارة ورخص الأسعار ، والأغنياء متمكنون من إزالة بعض هذه الأسباب أو تدارك ضررها وإضعاف أثرها ، كإزالة البطالة باحداث أعمال ومصالح للفقراء ، وإزالة الجهل بالانفاق على التعليم والتربية - تعليم طرق الكسب والتربية على العمل والاستقامة والصدق . وإذا كان فقر الفقير انما هو بالجري على سنة من سنن اللّه فإزالة سبب فقره أو مساعدته عليه أو فيه انما يجري على سنة من سننه تعالي أيضا كما أن غنى الغني كذلك ، فالانفاق لاحياء سنة اللّه ومساعدة من ينتسبون إلى اللّه تعالى على أنهم عياله إذ لا غنى لهم بكسبهم ولا حول لهم ولا قوة ينزل منزلة الاقراض له تعالى ، فالفقراء عيال واللّه يعولهم بأيدي الأغنياء ، ويعول الأغنياء بتوفيقهم لأسباب الغنى
( أقول ) هكذا وجه العبارة رحمه اللّه تعالى بعد أن قال إن الحث على الانفاق في هذه الآية يراد به الانفاق في المصلحة العامة لا مواساة الفقير ، فكأنه أراد ان يبين صحة التعبير في نفسه حيثما ورد وان استعمل في مقام آخر كقوله تعالى في سورة التغابن
( 64 : 17 إِنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً يُضاعِفْهُ لَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ )
ودخل فيما ذكره بعض المصالح العامة وهو ينطبق على سائرها ، فان القتال لحماية
هامش
- من ضيق على عياله وتقرير الأستاذ الامام يتفق مع الرواية كما هو ظاهر على أن للفظه أصلا في هذا المقام وهو ما رواه ابن جرير عن علي كرم اللّه وجهه : مات غنيان وفقيران فقال اللّه تبارك وتعالى لاحد الغنيين ما قدمت لنفسك وما تركت لعيالك ؟
فيقول يا رب خلقتني وإياهم سواء ، تكفلت برزق كل دابة وقلت( مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضاعِفَهُ لَهُ ) *وعلمت أنك ترزق عيالي من بعدي ، فيقول اذهب فلو تعلم ما لك عندي لضحكت كثيرا ولبكيت قليلا الخ
« التفسير ج 2 » « 59 » « الجزء الثاني »