تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 444

مساهمون:

ص٤٤٤
توجه النفس وحضور القلب ، ان يستعين على ذلك ببعض ما يناسبه من قول وعمل ولا ريب ان هذه الهيأة التي اختارها اللّه تعالى للصلاة هي أفضل معين على استحضار سلطانه ، وتذكر كرمه وإحسانه ، فان قولك « اللّه أكبر » في فاتحة الصلاة وعند الانتقال فيها من عمل إلى عمل يعطيك من الشعور بكون اللّه أكبر وأعظم من كل شيء تشغل به نفسك ، وتوجه اليه همك ، ما يغمر روحك ، ويستولي على قلبك وإرادتك ، وفي قراءة الفاتحة من الثناء على اللّه تعالى وتذكر رحمته وربوبيته ومعاهدته على اختصاصك إياه بالعبادة والاستعانة ، ومن دعائه لأن يهديك صراطه الذي استقام عليه من سبقت لهم منه النعمة من عباده الصالحين ما فيها مما تقدم شرحه في تفسيرها ، وكل ما تقرأه من القرآن بعد الفاتحة له في النفس آثار محمودة تختلف باختلاف ما في القرآن من المعارف العالية ، والحكمة البالغة ، والعبر العظيمة ، والهداية القويمة ، وانحناؤك للركوع وللسجود بعد ذلك يقوي في النفس معنى العبودية ، وتذكر عظمة الألوهية ونعم الربوبية ، لما في هذين العملين من علامة الخضوع والخروج عن المألوف ، وما شرع فيهما من تسبيح اللّه ، وتذكر عظمته وعلوه جل ثناؤه . فإذا تعذر عليك الاتيان ببعض تلك الأعمال البدنية ، فان ذلك لا يسقط عنك هذه العبادة القلبية ، التي هي روح الصلاة وغيرها وهي الاقبال على اللّه تعالى واستحضار سلطانه مع الإشارة إلى تلك الأعمال بقدر الامكان ، الذي لا يمنع من مدافعة الخوف الطاريء من سبع مفترس ، أو عدو مغتال ، أو لص محتال ، وكيف يسقط طلب الصلاة القلبية في حال الخوف وهو يساعد على الخروج منه ، أو تخفيف وقعه ، فالآية تعلمنا انه يجب ان لا يذهلنا عن اللّه تعالى شيء من الأشياء ، ولا يشغلنا عنه شاغل ولا خوف في حال من الأحوال ، ولذلك قال
( فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجالًا أَوْ رُكْباناً )
أي فصلوا مشاة أو راكبين كيفما اتفق وهذا في حالة الملاحمة في القتال أو مقاومة العدو ودفع الصائل أو الفرار من الأسد ، أي ممارسة ذلك بالفعل ، فإن كان الوقت وقت صلاة صلى المكلف راجلا أو راكبا لا يمنعه من صلاته الكر والفر ، ولا الطعن والضرب ، ويأتي من أقوال الصلاة بما
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 444 | الشيخ محمد رشيد رضا