تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 431

مساهمون:

ص٤٣١
وإذا كانت الغضاضة في الطلاق قبل الدخول على ما ذكرنا فلا جرم أن ذلك التواد الذي ظهرت بوادره قبل الخطبة وتمكن بالعقد يتحول إلى عداء وتباغض ، إلا أن يدفع المطلق ذلك بالتي هي أحسن وهي المتعة اللائقة ، ولا تتحقق هذه الحكمة إلا بجعل مقدار المتعة موكولا إلى اختيار الرجل مع العلم بأنها واجبة على حسب الحال في السعة ، وان الغرض منها كذا ، فلا يتحقق الامتثال إلا بتحري إصابته ، ومما روي عن الحسن السبط أيضا أنه متع بعشرين ألفا وزقاق من عسل ، وكذلك كانوا يفعلون . هذا هو المتبادر من الآية ولكن من الفقهاء من قال إن المتعة تستحب ولا تجب لأنها جعلت حقا على المحسنين ، كأن القيام بالواجب لا يوصف بالاحسان ، ويكفي في إثبات الوجوب قوله تعالى
« عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ »
وقوله
« حَقًّا عَلَى »
وانما حسن ذكر الاحسان هنا لأن المفروض غير محدود ، والشارع يحب بسط الكف فيه ، فذكر بالاحسان لأجل ذلك ، وليبين أن المتعة ليست من قبيل الغرامة ، إذ لو كانت غرامة لا اختيار في قدرها كما أنه لا اختيار في أصلها لما تحققت بها الحكمة التي تقدم شرحها ، وآية الأحزاب المتقدمة آمرة بالتمتيع أمرا لم يذكر معه لفظ المحسنين ، على أن اللّه تعالى ذكر الاحسان والمحسنين في مقام الاعمال الواجبة كقوله في سورة التوبة
( 9 : 19 لَيْسَ عَلَى الضُّعَفاءِ وَلا عَلَى الْمَرْضى وَلا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ ما يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ ما عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ )
والنصح للّه ورسوله واجب حتم ، وقوله في هذه السورة أيضا
( 120 ما كانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ
- إلى قوله -
إِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ ) *
وذكر هذا اللفظ كثيرا بعد ذكر الصبر في مواضع اليأس وهو واجب ، وبعد ذكر محاولة إبراهيم ذبح ولده وكان واجبا عليه لولا ما افتداه اللّه تعالى . وقال تعالى في سورة الزمر عند ذكر الجزاء
( 39 : 58 أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ )
وهل يصح أن يقال إن النفس تعذب على ترك النوافل المستحبة فتتمنى الرجعة لتؤديها ؟ ومن تتبع الآيات التي ذكر فيها الاحسان يرى أن منها ما يراد به الاعمال المفروضة