وهو ان المتعة تختلف باختلاف ثروة الرجل وبسطته ولذلك لم تحدد بل تركت لاجتهاد المكلف لأنه اعرف بثروة نفسه ، وقد علم أن اللّه فرضها عليه واكدها بقوله
مَتاعاً بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ
فأما المعروف فهو ما يتعارف الناس بينهم ويليق بهم بحسب اختلاف أصنافهم وأحوال معايشهم وشرفهم ، واما كونه حقا على المحسنين فمعناه انها واجبة حاقة على أنها إحسان في التعامل لا عقوبة ، فان الحكمة فيها كما قالوا جبر إيحاش الطلاق ، كأن المعنى ان كنتم مؤمنين باللّه محسنين في طاعته فعليكم ان تجعلوا هذا المتاع لائقا مؤديا إلى الغرض منه
قال الأستاذ الامام مبينا الحكمة في شرع هذه المتعة : ان في هذا الطلاق غضاضة وأيها ما للناس أن الزوج ما طلقها إلا وقدرا به منها شيء ، فإذا هو متعها متاعا حسنا تزول هذه الغضاضة ويكون هذا المتاع الحسن بمنزلة الشهادة بنزاهتها والاعتراف بأن الطلاق كان من قبله اي لعذر يختص به ، لا من قبلها ، أي لا لعلة فيها ، لأن اللّه تعالى أمرنا ان نحافظ على الاعراض بقدر الطاقة . فجعل هذا التمتيع كالمرهم لجرح القلب لكي يتسامع به الناس فيقال : ان فلانا اعطى فلانة كذا وكذا فهو لم يطلقها إلا لعذر وهو آسف عليها معترف بفضلها ، لا إنه رأى عيبا فيها أو رابه شيء من امرها ، ويقال إن سيدنا الحسن السبط متع إحدى زوجاته بعشرة آلاف درهم وقال « متاع قليل من حبيب مفارق » لهذ وكل اللّه تعالى الامر في ذلك إلى أريحية المؤمنين فلم يحدده بل وصفه بالمعروف ، وذكّر المطلق عند إيجابه بالاحسان هنا وبالتقوى في الآية الآتية :
وأقول زيادة في إيضاح الحكمة : من المعروف أن الاقدام على عقد الزوجية يتقدمه تعارف وتواد بين بيت الرجل وبيت المرأة ، ثم تكون الخطبة فالعقد ، فإذا طلق الرجل قبل الدخول فان الناس يظنون بالمرأة من الظنون مالا يظنون بها إذا طلقت بعد الدخول ، لان المعاشرة هي التي تكشف لكل واحد عن طباع الآخر ، فيحمل الطلاق على تنافر الطباع ، وعدم المشاكلة في الاخلاق والعادات ، وهذا وجه لجعل بعض العلماء متعة غير المدخول بها واجبة ومتعة غيرها مستحبة ،