تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 400

مساهمون:

ص٤٠٠
يمسك قنه ليعذبه وينتقم منه ، ولكنهم كانوا يطلقون المرأة لأدنى سبب ، كالملل والغضب ، ثم يعودون إليها يفعلون ذلك المرة بعد المرة ، وكانوا يمسكونها للضرار والإهانة كما تقدم آنفا ، وقد يستبدل الواحد منهم امرأة الآخر بامرأته . فاعتياد هذه المعاملة السوءى والانس بها لا تكون مقاومته الا بتعظيم شأن عقد الزوجية والمبالغة في تأكيده بالترغيب والترهيب ، والوعد والوعيد ، إذ لا يسهل على الرجل الذي كان يرى المرأة مثل الأمة أو دونها ان يساويها بنفسه بمجرد الامر ، ويرى لها عليه مثل ماله عليها ويحظر على نفسه مضارتها وإيذاءها ويلتزم معاملتها بالمعروف في حال إمساكها عنده وفي حال تسريحها ان اضطر اليه . ولكن هذه العظات والتشديدات المشتملة على الاقناع وبيان المصلحة هي التي تعمل في نفسه ، وتؤثر بتكرارها في قلبه ، وإن كان كالحجارة في القسوة
أما ترى الحبل بتكراره * في الصخرة الصماء قد اثرا
نعم إنه قد كان له أحسن التأثير في أولئك الخارجين من ظلمات الجاهلية إلى نور الاسلام ، وفيمن اتبعهم باحسان ، ثم خلف من بعدهم خلف اعرضوا عن القرآن ، وجهلوا ما فيه من الحكم والاحكام ، حتى صاروا شرا مما كان عليه أهل الجاهلية وسائر الأمم من ظلم النساء ، فلم يتقوا اللّه في ذلك ولا تدبروا قوله بعد ما تقدم وقوله
وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ
وهو أبلغ في موضعه من كل ما تقدم من التأكيد والتشديد في حقوق النساء لان الانسان قد يراعي الاحكام الظاهرة بقدر الامكان بغير إخلاص فيطبق العمل على الحكم على وجه يعلم أن من ورائه ضررا . فهذه الجملة تذكره بأن اللّه تعالى لا يخفى عليه شيء مما يسره العبد أو يعلنه ، فلا يرضيه الا التزام حدوده والعمل بأحكامه ، مع الاخلاص وحسن النية ، حتى يكون ظاهره كباطنه في الخير ، ولا يتم له ذلك الا بمراقبة اللّه تعالى في عمله ، والعلم اليقين بأنه مطلع عليه فيه : لا يبيت قولا أو فعلا ، ولا ينوي خيرا أو شرا ، ولا يطوف في ذهنه خاطر ، ولا تختلج في قلبه خلجة ، الا وهو سبحانه عالم بذلك ومطلع عليه