تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 397

مساهمون:

ص٣٩٧
بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ
معناه فاعزموا أحد الامرين - إمساك المرأة بالمراجعة أو اطلاق سبيلها - وليكن ما تختارونه من أحد الامرين بالمعروف الذي شرع لكم في آية الطلاق مرتان
وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِراراً لِتَعْتَدُوا
أي ولا تراجعوهن إرادة مضارتهن وإيذائهن للاعتداء عليهن بتعمد ذلك ، فالضرار بمعنى الضرر وذكر بالصيغة التي تأتي للمشاركة للاشعار بأن ضره إياها يستلزم ضرها إياه ، فالرجال يضرون أنفسهم بايذاء النساء ، ويؤيد هذا قوله
وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ
في الدنيا بسلوك طرق الشر والاعتداء التي لا راحة لضمير صاحبها ، وبجعل المرأة وعصبتها أعداء له يناصبونه ويناوئونه ، والعدو القريب أقدر على الايذاء من العدو البعيد ، وبتنفير الناس منه حتى يوشك أن لا يصاهره أحد ، وظلم نفسه في الأخرى أيضا بما خالف أمر اللّه وتعرض لسخطه ثم قال تعالى
وَلا تَتَّخِذُوا آياتِ اللَّهِ هُزُواً
وهذا وعيد بعد وعيد ، وتهديد لمن يتعدى حدود اللّه في هذه الأحكام أي تهديد ، والسبب فيه حمل المسلمين على احترام صلة الزوجية ، وتوقي ما كانوا عليه في عهد الجاهلية ، فقد كانوا يتخذون النساء لعبا ، ويعبثون بطلاقهن وإمساكهن عبثا ، وفي أسباب النزول : أخرج ابن أبي عمر في مسنده وابن مردويه عن أبي الدرداء قال كان الرجل يطلق ثم يقول لعبت ، ويعتق ثم يقول لعبت ، فأنزل اللّه
( وَلا تَتَّخِذُوا آياتِ اللَّهِ هُزُواً )
أي أنزله فيما أنزل من آيات أحكام الطلاق ، لا أنه أنزله على حدة كما تقدم نظيره في نظيره . والمعنى لا تتهاونوا بحدود اللّه تعالى التي شرعها لكم في آية جريا على سنن الجاهلية ، فان هذا التهاون والاعتداء للحدود بعد هذا البيان والتأكيد من اللّه تعالى يعد استهزاء . آياته . ومن هنا قال بعض السلف : المستغفر من الذنب وهو مصرّ عليه كالمستهزىء بربه . ولا شك أن الذي يخالف أمر اللّه وينقض هذه العهود بعد توثيقها طلبا لشهوة من شهواته ، أو استمساكا بعادة من عاداته ، فهو جدر بأن يعد مستهزءا بآيات اللّه غير مذعن لها بعد التحذير من التهاون بحقوق النساء وجعل العابث باحكام اللّه فيها مستهزئا
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 397 | الشيخ محمد رشيد رضا