تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 399

مساهمون:

ص٣٩٩
ان أكثر المسلمين لا ينظر فيها ، ولا يسال العارفين بها عنها ، الا ان يكون لأجل الاستعانة على حقوق يهضمها ، أو صلات يقطعها وعرى يفصمها ، فهو يستفتي غالبا ليأمن مؤاخذة الحكام ، لا ليقيم حدود الاسلام ، وإذا قام فيهم داع يدعو إلى اللّه ، ويذكر المؤمنين بآيات اللّه ، رماه الرؤساء بسهام الملام ، وأغروا به السياسة وهاجوا عليه العوام ، خائفين ان يحيى ما اماتوه من الاجتهاد في فهم الكتاب والسنة ، زاعمين انه يبطل مذاهب الأئمة ، على أن التذكير هو الذي يحيي علم المجتهدين ، لأنهم كانوا مذكرين به ومبينين ، لا صادين عنه ولا ناسخين ، وما كل من اهتدى بهديهم في التذكير والتبيين ، يلحقهم في الاستنباط والتدوين ، فيا أيها العلماء أحيوا كتاب اللّه ، فو اللّه انه لا حياة لهذه الأمة بسواه ، ولذلك عادت بترك هديه إلى عادات الجاهلية ، وما هو شر منها من إباحة الإفرنج العصرية ، اتباعا للهوى ونزغات البهيمية هذا وان جمهور المفسرين فسروا نعمة اللّه هنا بالدين والرسالة ، وجعلوا ما انزل من الكتاب والحكمة تفصيلا للنعمة المجملة قال الأستاذ الامام
( وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ )
بارسال هذا الرسول ، وبيان الحدود والحقوق التي تحفظ لكم الهناء في الدنيا ، وتضمن لكم السعادة في الآخرة . وذكر ان ما بعد هذا تفصيل له . وفسر الحكمة بسر الكتاب ، ثم قال وفي النعمة وجه آخر وهي هذه الرحمة التي جعلها اللّه بين الرجال والنساء ، وامتن بها علينا في قوله
( وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً )
وإنما أوردنا هذا الوجه أولا بالبيان والتفصيل ، لأنه هو المختار عندنا ، وذهب بعضهم إلى أن النعمة هنا عامة تشمل نعم الدنيا والدين
وَاتَّقُوا اللَّهَ
أمر بعد كل ما تقدم من التأكيد والتشديد والتهديد بتقواه بامتثال أمره ونهيه زيادة في العناية بأمر النساء وصلة الزوجية وهو ما تقتضيه البلاغة في هذا المقام ، مقاومة لما ملك النفوس قبل ذلك من عدم المبالاة بعقد الزوجية ، إذ كانوا يرونه كعقد الرق والبيع والإجارة في المتاع الخسيس والنفيس بل كانوا يرونه دون ذلك لأن الرجل لم يكن يشترى متاعا ثم يرمي به في الطريق زهدا فيه ، ولم يكن