ألا فليعلم كل مسلم أن الآية صريحة في أن النكاح الذي تحل به المطلقة ثلاثا هو ما كان زواجا صحيحا عن رغبة ، وقد حصل به مقصود النكاح لذاته ، فمن تزوج بامرأة مطلقة ثلاثا بقصد إحلالها للأول كان زواجه صوريا غير صحيح ، ولا تحل به المرأة للأول ، بل هو معصية لعن الشارع فاعلها ، وهو لا يلعن من فعل فعلا مشروعا ولا مكروها فقط ، بل المشهور عند جمهور العلماء ان اللعن انما يكون على كبائر المعاصي ، فان عادت اليه كانت حراما ، ومثال ذلك مثال من طهر الدم بالبول ، وهو رجس على رجس . وبهذا قال مالك وأحمد والثوري وأهل الظاهر وخلائق غيرهم من أهل الحديث والفقه ، وقال الأستاذ الامام ان نكاح التحليل شر من نكاح المتعة وأشد فسادا وعارا وقال آخرون من الفقهاء انه جائز مع الكراهة ما لم يشترط في العقد لان القضاء بالظواهر ، لا بالمقاصد والضمائر ، نقول نعم ولكن الدين القيم هو أن يكون الظاهر عنوان الباطن وإلا كان نفاقا ، على أن باغي التحليل ليس بمتزوج حقيقة الزواج الذي شرعه اللّه وبينه لا عند نفسه ولا عند من أراده على التحليل وتواطأ معه عليه ، فان عذر القاضي المنفذ له بجهله للواقع عملا بالظاهر ، فلا يعذر به العالم به ، والمقترف له . وقد أوضح ذلك الحافظ الفقيه ابن القيم في ( اعلام الموقعين ) أتم الايضاح « * » ومن غرائب لانتصار للتقليد أن استدل بعضهم ( كالآلوسي ) على صحة نكاح المحلل بتسميته محللا في الحديث الناطق بتحريم التحليل ، وانما سماه بذلك من أرادوه أول مرة عند حاجتهم اليه ، وبعد التسمية سثل عنه الشارع فلم يجز عمله ولا يصح أن تكون حكاية لفظ الاسم ، مبطلة لمضمون الحكم ، فالناس هم الذين سموا ، والشارع هو الذي حرم ، كما ترى في حديث ابن عباس الآتي ، واننا نثبت هنا ما أورده ابن حجر المكي في الزواجر من الاخبار والآثار في تحريم التحليل قال :
أخرج أحمد والنسائي وغيرهما بسند صحيح عن ابن مسعود رضي اللّه عنه ان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال « ألا أخبركم بالتيس المستعار » قالوا بلى يا رسول اللّه قال « هو المحلل لعن اللّه المحلل والمحلل له » قال الترمذي والعمل على ذلك عند أهل العلم منهم عمر وابنه وعثمان رضي اللّه عنهم وهو قول الفقهاء من التابعين . وروى
هامش
( * ) راجع بحث تحريم التحليل في ص 564 من مجلد المنار السادس