ذكر تعالى ما يمتاز به المؤمن المتقي على الكافر بتبديل النعمة وتفريق الكلمة ، وهو العلوّ في دار الكرامة ، ثم أخبرنا ان رزق الدنيا ونعيمها ليس خاصا فيها بتقي ولا شقي بل هو مبذول لكل أحد وأنه قد يأتي من حيث لا يظن المرء ولا يحتسب فقال
وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ *
الحساب التقدير أي من غير تقدير له على حسب الايمان والتقوى والكفر والفجور . وفيه وجه آخر وهو أنه كناية عن السعة وعدم التقتير والتضييق كقولهم : ينفق فلان بغير حساب . أي ينفق كثيرا .
والمعنى انه بذل العطاء في الدنيا لكل أحد بخلق الارزاق وإقدار الناس على الكسب ، وقيل إن المعنى بغير حساب عليه من أحد ، فهو الذي خلق ورزق وهو الذي قدر فهدى من غير محاسبة أحد ولا مراجعته ، وقد بسط معنى هذا الكلام في آيات أخرى قال تعالى في سورة الإسراء
( 17 : 18 مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعاجِلَةَ عَجَّلْنا لَهُ فِيها ما نَشاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاها مَذْمُوماً مَدْحُوراً * 19 وَمَنْ أَرادَ الْآخِرَةَ وَسَعى لَها سَعْيَها وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولئِكَ كانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُوراً * 20 كُلًّا نُمِدُّ هؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ مِنْ عَطاءِ رَبِّكَ وَما كانَ عَطاءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً * 21 انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا )
فأنت ترى أنه لم يشترط السعي لرزق الدنيا لأنه قد يأتي بلا سعي كارث وهبة ووصية وكنز ، أو ارتفاع لاثمان ما يملك من عقار وعروض بأسباب عامة . واشترط للآخرة السعي مع الايمان كما خصها هنا بالذين اتقوا من المؤمنين لان الكلام فيهم . ثم ذكر أن عطاءه واسع مبذول لكل أحد ليس فيه حظر من اللّه تعالى فللمشمر تشميره ، وعلى المقصر تقصيره ، وفي الحساب هنا وجه آخر وهو الاحتساب والتقدير من جانب العبد فيكون بمعنى قوله تعالى في سورة الطلاق
( 65 : 2 وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ )
قال الأستاذ الامام : ان الرزق بغير حساب ولا سعي في الدنيا إنما يصح بالنسبة إلى الافراد فإنك ترى كثيرا من الأبرار وكثيرا من الفجار أغنياء موسرين متمتعين بسعة الرزق ، وكثيرا من الفريقين فقراء معسرين ، والمتقي