استقامة العمل والوقوف عند حدود الشرائع ، قالوا لا بد من تقدير في العبارة فيكون الكلام كان الناس أمة واحدة فاختلفوا فبعث اللّه النبيين مبشرين ومنذرين ، والقرينة على هذه القضية المقدرة قوله فيما بعد
« لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ »
وأنت ترى ان هذا بمنزلة أن تقول كان زيد عالما فبعثت اليه من يعلمه ما كان نسيه من معلوماته ، أو كان عاملا فأرسلت اليه من يعظه في العود إلى ما ترك من عمله ، وتقول ان كلامي على تقدير كان عالما فنسي أو كان عاملا فترك العمل فبعثت اليه أو أرسلت اليه الخ وهو مما لا يقبله ذوق عربي ، فإذا كنت لا تراه لائقا بكلامك فكيف تجده لائقا بكلام اللّه أبلغ الكلام ، وأولى قول بملك العقول والافهام ، ومما استدلوا به على صحة قولهم ان آدم عليه السّلام كان نبيا وكان أولاده على ملته هادين مهتدين إلى أن وقع التحاسد بين ولديه وكان من قتل أحدهما للآخر ما هو معروف ، وان الانسان يولد على الفطرة السليمة والدين الحق ، وانما يعرض له ما ينحرف به عن الفطرة من تحكم الأهواء ، واغواء الشهوات ، ورين الشبهات ، ونحو ذلك ، فلا ريب يكون للانسان طور أول كان فيه خيرا عادلا واقفا عند الحق فيما يعتقد وما يعمل ، ثم يعرض عليه ما يعرض من الميل إلى الشر والقبيح من الاعمال ، ولكن هذه الأدلة لا تغير شيئا مما ذكرناه مختصا بتأليف الكلام ، على أنه قد عرض على أولاد آدم من بعده أطوار كثيرة بلغ بهم الجهل في بعضها أن كانوا ملة واحدة في الكفر وفساد الاعمال ، كما كانت الحال لعهد نوح وعهد إبراهيم من بعده ، والآية لم تحدد زمن كان الناس أمة واحدة ، وغاية ما في الامر أن يكون النبيون المبعوثون مخصوصين بغير آدم أو نوح مثلا إذا حملت الأمة الواحدة على أمة الضلال ، وملة الفساد والاعتلال
ولذلك ذهبت طائفة أخرى وفي مقدمتهم ابن عباس وعطاء والحسن إلى أن الأمة الواحدة أمة الضلال ، التي لا تهتدي بحق ولا تقف في أعمالها عند حد شريعة ، واحتجوا على قولهم بهذا التعقب في الآية فإنه جعل بعثة الرسل تابعة لوحدة الأمة ، ولا تكون كذلك حتى تكون تلك الوحدة قاضية بالحاجة إلى إرسالهم ليحكموا بينهم في الاختلاف الذي يقع فيهم بسبب الفساد في العقائد ، والذهاب