تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 272

مساهمون:

ص٢٧٢
والمراد بالذين كفروا هنا من لا يؤمنون بالحقوق المشروعة للّه وللناس إيمان إذعان وانقياد ، بل يؤثرون الحياة الدنيا على ما عند اللّه تعالى من النعيم المقيم ، لا المشركون أو الكافرون في عرف بعض الناس كالذين لا يسمون مسلمين ، كما أن القرآن لا يعني بالمؤمنين الناجين طائفة يسمون أنفسهم أو يصفونها بالايمان أو الاسلام ، وانما يعني بهم أولئك الموقنين بما عند اللّه ، الذين يؤثرون الحق على كل ما يعارضه من شهواتهم ولذاتهم ، وإذا عثر أحدهم فعمل السوء بجهلة يتوب من قريب . وانظر سائر ما عرّف اللّه تعالى به المؤمنين والكافرين من النعوت والأوصاف يظهر لك هذا وأظهر أوصاف الكافر أن تكون زينة الدنيا أكبر همه يؤثرها على كل شيء ، حتى أن أمر الدين لا يزحزحه عن شيء يقدر عليه من هذه الزينة ومتاعها بلا معارض من الدنيا ، كحاكم يزع ، أو إهانة تتوقع ، لأنه لا يقين له في الآخرة . فإن كان منتسبا إلى دين فما دينه إلا تقاليد وعادات ، وخواطر تتنازعها الشبهات ، وتتجاذبها الشكوك والتأويلات ، ومنهم من يسلم تقليدا بأن هنالك آخرة فيها نعيم خاص بأهل ملته ، وان كانوا على ما وصف اللّه الكافرين ، وضد مانعت المؤمنين ، كما كان اليهود في زمن التنزيل وقد أطلق القرآن عليهم اسم الايمان في مواضع منها الآية السابقة قريبا على قول بعض المفسرين وفي غيرها أيضا كقوله في أهل الكتاب عامة من آخر سورة الحديد
( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ )
الخ وأطلق عليهم اسم الكفر في مواضع كثيرة . وذلك أن للايمان - كما ذكرنا قبل - اطلاقين فيطلق على المؤمن الموقن المذعن للعمل والاتباع . ويطلق على من يصدق تقليدا بأن للعالم إلها أرسل رسلا وينتسب إلى بعضهم وان لم يكن على يقين في ايمانه ، وبصيرة في دينه ، وحسن اتباع لنبيه ، بل هو على خلاف ذلك كما تقدم ، وهؤلاء قد يكونون في عرف القرآن كافرين وذكر من علامتهم الافتتان بزينة الحياة الدنيا فهم يعدون الكياسة الانغماس في نعيمها ويرون الفضل في الاستكثار من فضولها
وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا
ايمانا حقيقيا يحمل على