فحب الدنيا هو علة العلل ورأس كل خطيئة . وقد تقدم شرح ارتباط الرؤساء بالمرءوسين في تفسير
( 165 وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْداداً )
الآيات .
وما ذكرناه هنا قاض بأن يختص الذين كفروا بمن أوتوا كتابا وجاءتهم بينات تجمع كلمتهم وتحقق وحدتهم ، ففصموا بالخلاف عروتها ، ومزقوا بالتفرق نسيج وحدتها ، وذلك كفر بهذه النعمة ، وتبديل لها بالنقمة ، ويدلك على أن الكلام لا يزال في مسألة الخلاف والوفاق في الدين الآية التالية لهذه فإنها مبينة لأصل الخلاف في الدين ، منذ بعث اللّه النبيين
جملة
( زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا )
الخ في معنى قوله تعالى
( 18 : 7 إِنَّا جَعَلْنا ما عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَها لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا )
ابتلاهم فغرت أقواما زينتها ، وفتنتهم بهجتها ، فانصرفت همتهم إلى الاستمتاع بلذاتها ، وانحصرت أفكارهم في استنباط الوسائل لشهواتها ، ومسابقة طلاب المال والجاه عند أربابها ، ومزاحمة الطارقين لابوابها ، فلم يبق فيها سعة لطلب شيء آخر وان لم يكن معارضا لهم فيما يرغبون ، وحائلا بينهم وبين ما يشتهون ، فما بالك بصلب الحق ، والتطلع إلى حياة بعد هذه الحياة ، والحق ينعي عليهم إسرافهم في أمرهم ، ويطالبهم بحقوق عليهم لغيرهم ، والتطلع إلى حياة أخرى يزعزع من سكونهم إلى لهوهم ، ويغض شيئا من تعاليهم في زهوهم ، بل يكدر عليهم بعض صفوهم ، ويقف بهم دون شأوهم ، ومن لم يطلب الحق من طريقه باخلاص وإنصاف لا يجده ولا يتفق مع أهله ، وأنى للمفتونين بالزينة الاخلاص والانصاف ؟
( أقول ) وثم أقوام آخرون نظروا إلى زينة الدنيا كما أمر اللّه ، وهو من وجهين أحدهما ما فيها من الآيات الدالة على قدرته تعالى وعلمه وحكمته ورحمته بعباده . وثانيهما كونها نعمة منه تعالى ينتفع بها ، ويشكر اللّه تعالى عليها ، ويتبع شرعه فيها بالقصد واجتناب السرف والخيلاء وتذكر الدعاء بحسنة الدنيا وحسنة الآخرة وهو قريب ، ولا تنس قوله تعالى
( 7 : 33 قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ )
الخ « 1 »
هامش
( 1 ) راجع تفسيرها في الجزء الثامن