تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 270

مساهمون:

ص٢٧٠
إسرائيل على عهد نزول القرآن وإنا لنعلم أن الساكتين منهم على جميع ما مني به المسلمون من البدع والخرافات والفسوق والعصيان ، يتفقون مع المدافعين عن الفاسقين والمبتدعين ، على إيذاء الواعظين الناصحين ، باسم المدافعة عن الدين والسبب في هذا وأمثاله لم يفرط فيه الكتاب المبين ، بل هو ما هدانا اللّه تعالى اليه بقوله * * *
زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَياةُ الدُّنْيا
هذا بيان معلل لما قبله من الوعيد لمن يبدل نعمة اللّه كفرا ، ولا سيما نعمة آيات اللّه تعالى في هداية الملة إلى وحدة الأمة ، فالكفر فيها هو كفر النعمة ، لا انكار وجود اللّه تعالى ولا الشرك به كما زعم الجلال وغيره ، وسببه الافتتان بزينة الحياة الدنيا الزائلة وايثارها على حياة الآخرة الباقية ، والمقام مقام الامر بالاتفاق في الدين والاخذ بجميع أحكامه وشرائعه والنهي عن التفرق فيها ، والمسلمون هم المخاطبون بالوعيد على التفرق واتباع خطوات الشيطان على رأيه وتفسيره وهو المختار . فبعد أن أمرنا تعالى ونهانا وتوعد من يزل عن سبيله منا بعد ما جاءنا من البينات ، ذكرنا بحال من سبقنا من أهل الكتاب الذين نزل بهم عذاب التفرق والخلاف في الدنيا ولم يمنعه عنهم أنهم أهل الكتاب وانهم منتمون إلى نبي مرسل وعندهم شريعة الهية ، ذلك أنهم لم يجتمعوا على الكتاب لاختلاف أئمتهم وأحبارهم في التأويل والتأليف ؛ وكان كل فريق منهم يعتذر عن تركه العمل بالتوراة بأنه متبع لبعض الأحبار الذين هم أعلم منه بها بعد هذا كله يسأل سائل كيف يختلف الناس في دينهم ويتفرقون شيعا بعد مجيء البينات المانعة من ذلك ؟ فهذه الآية جواب لهذا السؤال ، وحل لما فيه من الاشكال ، ملخصه ان حب الدنيا والغرور بزينتها ؛ يصرفان جميع قوى النفس إلى التفاني في طلبها ، وبذلك تنصرف عن النظر الصحيح في آيات الحق وبينانه : أما الرؤساء فإنهم ينصرفون إلى حب الامتياز والشهرة والاستعلاء على الاقران ، ولا يكون ذلك إلا بالخلاف ، وانتصار كل رئيس لمذهب والذب عنه بالجدل والتأويل وأما المرءوسون فان كل فريق منهم ينتمي إلى رئيس يعتز به ويقلده دينه ، ولا يستمع قولا لمخالفه . ويربط كلا منهما بالآخر الاشتراك في المصالح الدنيوية ،