تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 268

مساهمون:

ص٢٦٨
* * * تقدم أن في قوله تعالى
( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً )
وجهين أحدهما ان المراد بالذين آمنوا أهل الكتاب وثانيهما ان المخاطب بها المؤمنون من المسلمين . وقوله عز وجل
سَلْ بَنِي إِسْرائِيلَ كَمْ آتَيْناهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ
ظاهر على كلا الوجهين فهو على الأول بيان لحقيقة حالهم ، وأن الآيات والنذر لا ترجعهم عن ضلالهم ، فإذا استمروا على الجحود والخصام ، وأعرضوا عن الدعوة إلى الدخول في السّلام ، فليس ذلك بدعا منهم ، ولا دليلا على أن الاسلام غير بين لهم ، فكم جاءهم أنبياؤهم بالآيات البينات ، وكم بلاهم اللّه تعالى بالحسنات والسيئات ، ولم يغن ذلك عنهم ، ولا صدهم عن خلافهم وشقاقهم ، بل بدل الذين كفروا منهم قولا غير الذي قيل لهم ، وبدلوا نعمة اللّه كفرا ،
وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ
عليه بالآيات الدالة على الحق ، والوحدة الداعية إلى الشكر
مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُ
بالبيان ، وأبرهت بالبرهان ، يجعلها مثارا للتفزق والاختلاف وجعل الأمة الواحدة شيعا وأحزابا ومذاهب وفرقا بسوء التأويل وعصبيات الرياسة والسياسة
فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ
لمن تنكب سنته ، وخالف شرعته ، وهؤلاء المبدلون منهم ، فالعقاب الشديد نازل لا محالة بهم ، ولم يقل فان اللّه يعاقبهم ليشعرنا بان هذا من سننه العامة فحذرنا أن نكون من المخالفين المبدلين ، توهما أن العقاب خاص ببعض الغابرين ، كما يلغو كثير من الجاهلين ، فأنت ترى أن هذه الجملة في معني قوله
( فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْكُمُ الْبَيِّناتُ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ )
والتقييد بمجيء البينات والآيات دليل على أن من لم تبلغه الدعوة الصحيحة بالبينة والدليل لا يخاطب بهذا الوعيد ، فحسبه حرمانه من هداية الأنبياء عليهم السّلام ، فكيف يطالب مع ذلك بما لا يعلم ، ويجعل مع من عاند الحق من بعد ظهوره له في قرن وفي هذه من الهداية أيضا بيان أمر عظيم يغفل عنه العلماء والأذكياء ، وهو أن الآيات والبينات انما تفيد النفوس الخيرة المستعدة لقبول الحق المتوجهة إلى