وقال الغزالي وغيره من أئمة الصوفية ان الحجب أي الموانع التي تمنع العبد من معرفة الحق كثيرة أكثفها نفسه وهذه الحجب تزال يوم القيامة عن المؤمنين الا حجابا واحدا فيعرفون الحق معرفة كاملة تستغرق الروح وذلك ما عبر عنه بالرؤية وبمجيء اللّه واتيانه . فالغمام في هذا المقام التمثيلي إشارة إلى الحجاب الذي لا يحصل كمال المعرفة الممكنة بدونه وبذلك تتفق الآيات مع الأحاديث
( 16 : 60 وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلى
- 42 : 11 لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ )
ولنا أن نقول على هذه الطريقة مع تفسيرنا الغمام بمادة التكوين الأولى كما مر ان الحجب التي تشغل الانسان عن ربه في الدنيا حظوظ النفس وشهواتها وشواغل الحس بالمحسوسات والفكر بالمدركات - كلها ترتفع فلا تعود حائلة دون كمال العلم باللّه تعالى . ما خلا سر الايجاد والتكوين الأول مم كان وبم كان وكيف كان ؟ فهذا لا يرتفع في الدنيا للموقنين ، ولا في الآخرة للمقربين « 1 »
هذا وأنت ترى ان الوجه الأول في تفسير الآية هو المتبادر والمنطبق على الآيات الأخرى في نذر القيامة وفي كل منهما عبرة وهداية للمؤمنين وأما المرتابون الممارون فلا يزيدهم الكلام عن الآخرة الا ظلمة ورجسا إلى رجسهم لأنهم محجوبون في حسهم حتى عن نفسهم و
( كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ ) *
* * *
( 211 ) سَلْ بَنِي إِسْرائِيلَ كَمْ آتَيْناهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ ( 212 ) زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَياةُ الدُّنْيا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ
هامش
( 1 ) قد بسطت مسأله الحجب هذه ومعنى سر الوجود والتكوين في الكلام على الرؤية من تفسير سورة الأعراف ص 128 - 189 ج 9