تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 266

مساهمون:

ص٢٦٦
أي يأتيهم من معرفته ما كانوا غائبين عنه ومحرومين منه في الدنيا . والاتيان يكون في المعقولات ، كما يكون في المحسوسات ، فلا حاجة إلى التأويل ان هؤلاء الزالين عن صراط اللّه تعالى صنفان : صنف اعتقدوا الباطل حقا فلم يعرفوا حقيقة التوحيد ورجوع كل أمر إلى من أعطى كل شيء خلقه على سنن ثابتة ، ولا غير التوحيد من أصول الايمان ، وصنف اتبعوا الظن ، وهاموا في أودية الوهم ، فلم يكونوا على بينة من هذا الامر ، فإذا ما تجلى اللّه تعالى في ذلك اليوم على الأرواح ، وزالت الحجب التي كانت دونها في سجن الأشباح ، زال جهل الجاهلين ، وانكشف ظن الظانين . وبطل وهم الواهمين ، وعرف الجميع رب العالمين ، بما جاءهم من الحق اليقين ، فذلك مجيء اللّه تعالى وإتيانه في يوم الدين . هذا ما تجلى به مسألة الاتيان على مذهب السلف وأما كون هذا الاتيان في ظلل من الغمام فهو من الأمور الأخروية الغيبية التي قلنا مرارا إننا لا نبحث عن حقيقتها فكون معرفة اللّه تعالى واليقين به مما يحصل للجاهلين والغافلين بحصول ظلل من الغمام نفوض سره إلى اللّه تعالى ، وما يدرينا ان في ذلك الغمام آيات بينات ، وحججا باهرات ، وإتيان الملائكة على هذا التأويل أظهر منه في التأويل الأول لان المقام مقام تمثيل ظهور سلطان اللّه تعالى وعظمته ، واستغراق القلوب في الخضوع لجلاله عندما يغشاها نور معرفته ، ولا ريب أن حضور الملك في جنده الأكبر ، هو أبين لكمال العظمة وأظهر ، ولذلك قال في سورة الفجر
( وَجاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا )
وقال في سورة النبأ
( يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ صَفًّا لا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ وَقالَ صَواباً )
والمراد بهذا المعنى الذي قرره الأستاذ الامام تقريب هذا المذهب من الافهام ، ولا يعني ان هذا بيان لكيفية الاتيان في الغمام . ويمكن أن يقال إن الغمام في الآية إشارة إلى الحجاب أو الرداء الذي ورد في حديث أبي موسى عند الشيخين وغيرهما « وما بين القوم وبين أن يروا ربهم الا رداء الكبرياء على وجهه » وبيانه انه ورد في أحاديث أخرى ان النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال « سألت جبريل عليه السّلام هل ترى ربك ؟ فقال ان بيني وبينه سبعين حجابا من نور »
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 266 | الشيخ محمد رشيد رضا