تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 264

مساهمون:

ص٢٦٤
وقال الأستاذ الامام ان الحكمة في نزول العذاب في الغمام انزاله فجأة من غير تمهيد ينذر به ، ولا توطئة توطن النفوس على احتماله ، وذلك أبلغ في هو له [ ما من دهي بالامر كالمعتد ] وهو ذلك الغمام الذي يحدث عن تخريب العالم فجأة فيأتيهم العذاب ، قبل أن يتبدد الغمام الناشئ عن الخراب . وهذا القول يتفق مع الأول وهو أقرب إلى معنى قوله تعالى في الساعة
( 7 ، 187 لا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً )
ويجب أن تكون هذه الآيات عبرة للمؤمن ترغبه في المبادرة إلى التوبة ، لئلا يفاجئه وعد اللّه تعالى وهو غافل ، فإن لم يفاجئه قيام الساعة العامة التي بها يهلك هذا العالم كله ، فاجأه قيام قيامته بموته بغتة ، فإن لم يمت بغتة جاءه مرض الموت بغتة ، حتى لا يقدر على العمل ، وتدارك الزلل وإذا جرينا على هذه الطريقة التي أرشدتنا إليها الآية السابقة على الوجه الأول في تفسيرها فحملنا بعض الآيات على بعض واستخرجنا المعنى من مجموعها كان لنا أن نقول : إذا وقعت الواقعة ، وقرعت القارعة ، وكورت الشمس ، وتناثرت الكواكب ، وانشقت السماء شقا ، ورجت الأرض رجا ، وبست الجبال بسا ، فكانت أولا كالعهن المنفوش ثم صارت هباء منبثا ، فان مادة هذا الكون تعود كما كانت قبل التكوين أي مادة سديمية وهي ما عبر عنه في بدء التكوين بالدخان ، وفي الحكاية عن الخراب بالغمام . وان كثيرا من علماء الهيئة الغربيين ليتوقعون خراب هذا العالم بقارعة تحدث من اصطدام بعض الكواكب ببعض بحيث تبطل الجذب العام ، الذي به قام هذا النظام ، وهو في معنى ما ورد من تشقق السماء بالغمام ، وهذا المعنى لم يكن يخطر ببال أحد على عهد نزول القرآن وأما اتيان الملائكة هنا فهو بمعنى نزولهم في قوله
( 25 : 25 وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّماءُ بِالْغَمامِ وَنُزِّلَ الْمَلائِكَةُ تَنْزِيلًا )
أي وتأتيهم الملائكة الموكلة بكل ما قضاه اللّه يومئذ . وقوله
وَقُضِيَ الْأَمْرُ *
جملة حالية أي كيف ينتظرون غير ذلك وهو أمر قضاه اللّه وأبرمه فلا مفر منه
وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ *
فيضع كل شيء في موضعه الذي قضاه فهو الأول ومنه بدأت الأشياء ، وهو الآخر واليه
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 264 | الشيخ محمد رشيد رضا