تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 263

مساهمون:

ص٢٦٣
وعده آخرون من المتشابهات فقالوا ان اللّه تعالى يأتي بذاته ولكن لا كاتيان البشر بل اتيانه من صفاته التي لا نبحث عن كيفيتها اتباعا للسلف . وأما تأويل الاتيان بما نقله البيهقي عن الأشعري فلا نذكره لأنه مما يزيد المعنى بعدا عن الفهم وقد يقال إنه ليس من مقتضى مذهب السلف أن يجعل كل ما يسند إلى اللّه تعالى من المتشابهات التي لا تفهم بحال ، ولا تفسر ولو باجمال ، فحسبنا أن نقول على رأي من فسر إتيان اللّه هنا باتيان أمره وما وعد به من العذاب ، أو اتيانه بما وعد به إننا نفوض اليه تعالى كيفية ذلك ، وبذلك نكون على طريقة السلف في التفويض ، مع العلم بأن اللّه تعالى ينذر الذين زلوا عن صراطه وفرقوا دينه بأمر معروف في الجملة لا بشيء مجهول مطلق . ومما يدلنا على أن المراد بالآية ما ذكرنا قوله تعالى
( 25 ، 25 وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّماءُ بِالْغَمامِ وَنُزِّلَ الْمَلائِكَةُ تَنْزِيلًا )
مع الآيات الكثيرة الناطقة بأن قيام الساعة وخراب العالم يكون
( إِذَا السَّماءُ انْشَقَّتْ )
وانتثرت كواكبها الخ وإنما يأتي بذلك اللّه تعالى بتغيير هذا النظام الذي وضعه لارتباط الكواكب وحفظ كل كوكب في فلكه ، وسيأتي لمذهب السلف في الاتيان توجيه أقرب من هذا وأما ظلل الغمام فهي قطع السحاب الأول وهي جمع ظلة بالضم كغرف جمع غرفة وهي ما أظلك ، والثاني جمع غمامة كسحاب وسحابة وزنا ومعنى ، سمي بذلك لأنه يغم السماء أي يسترها ، وخص بعضهم الغمام بالمسحاب الأبيض ، وزاد بعض آخر الرقيق ، وفيه ان الأبيض الرقيق لا يمطر والعرب تسمي البرد حب الغمام . وذكر المفسرون ان إتيان أمر اللّه أو عذابه في الغمام عبارة عن مجيئه من حيث ترجى الرحمة بالمطر ، وذلك أبلغ في تمثيل هول العذاب وفظاعته لان الخوف إذا جاء من موضع الأمن كان خطبه أعظم ، والعذاب إذا فاجأ من حيث ترجى الرحمة كان وقعه آلم ، كما وقع لعاد قوم هود
( 46 : 24 قالُوا هذا عارِضٌ مُمْطِرُنا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيها عَذابٌ أَلِيمٌ )
وهو مبني على أن الغمام مظنة المطر ، والظاهر أن من قال إن الغمام هو السحاب الأبيض لا يعني به تلك السحائب البيض الرقاق المرتفعة التي تظهر في أيام الصيف وإنما أراد به ذلك السحاب المسف لثقله بالمطر الذي هو أقرب إلى البياض منه إلى السواد .