تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 48

مساهمون:

ص٤٨
منه أن الرحمة من الصفات الواجبة له دائما . لأن الفعل قد ينقطع إذا لم يكن عن صفة لازمة ثابتة وإن كان كثيرا ، فعندما يسمع لفظ الرحيم يكمل اعتقاده على الوجه الذي يليق باللّه تعالى ويرضيه سبحانه ، ويعلم أن للّه صفة ثابتة هي الرحمة التي عنها يكون أثرها ، وإن كانت تلك الصفة على غير مثال صفات المخلوقين ، ويكون ذكرها بعد الرحمن كذكر الدليل بعد المدلول ليقوم برهانا عليه ا ه أقول قد سبق العلامة ابن القيم إلى مثل هذه التفرقة ولكنه عكس في دلالة الاسمين الكريمين . قال : وأما الجمع بين الرحمن والرحيم ففيه معنى بديع ، وهو أن الرحمن دال على الصفة القائمة به سبحانه والرحيم دال على تعلقها بالمرحوم ، وكأن الأول الوصف ، والثاني الفعل ، فالأول دال على أن الرحمة صفته أي صفة ذات له سبحانه والثاني دال على أنه يرحم خلقه برحمته ، أي صفة فعل له سبحانه ، فإذا أردت فهم هذا فتأمل قوله تعالى
( وَكانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً
إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُفٌ رَحِيمٌ )
ولم يجئ قط رحمن بهم ، فعلمت أن رحمن هو الموصوف بالرحمة ، ورحيم هو الراحم برحمته ، ( قال رحمه اللّه تعالى ) هذه النكتة لا تكاد تجدها في كتاب ، وإن تنفست عندها مرآة قلبك لم تنجل لك صورتها . وقال في كتاب آخر عند ذكر الاسمين الكريمين : وكرر أذانا ( أي إعلاما ) بثبوت الوصف وحصول أثره وتعلقه بمتعلقاته ، فالرحمن الذي الرحمة وصفه ، والرحيم الراحم لعباده ، ولهذا يقول تعالى
( وَكانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً
إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُفٌ رَحِيمٌ )
ولم يجئ رحمن بعباده ولا رحمن بالمؤمنين ، مع ما في اسم الرحمن الذي هو على وزن ( فعلان ) من سعة هذا الوصف وثبوت جميع معناه للموصوف به . ألا ترى أنهم يقولون غضبان للمتلىء غضبا وندمان وحيران وسكران ولهفان لمن ملىء بذلك فبناء فعلان للسعة والشمول ا ه المراد منه . أقول إن هذه الأمثلة تؤيد ما قاله الأستاذ الامام من أن صيغة ( فعلان ) تدل على الصفة العارضة ولا تدل على الدائمة فاحتيج إلى صيغة أخرى تدل على الصفة الثابتة الدائمة وهي صيغة ( فعيل ) فهذا أقوى ما قيل في نكتة الجمع بين الاسمين الكريمين بالصيغتين . ويليه دلالة أحدهما على الرحمة بالقوة والآخر دلالة