تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 45

مساهمون:

ص٤٥
آلهتهم : هل خلقت اللات أو العزى شيئا من هذه الموجودات ؟ يقول « لا » وقد احتج القرآن عليهم باعتقادهم هذا كما يأتي في محله . وإنما كانوا يتوسلون بها إلى اللّه ويعتقدون شفاعتها عنده . قال بعض العلماء إن لفظ « إله » من أله بمعنى عبد فهو بمعنى معبود ككتاب بمعنى مكتوب ، يقال أله يأله إلاهة وألوهة وألوهية كما يقال عبد يعبد عبادة وعبودة وعبودية فهو صفة بمعنى اسم المفعول ، وقيل هو من أله بمعنى تحير وقيل من وله بمعنى تحير . وهو إذا استشكل من جهة اللفظ لأنه تعالى منزه عن الحيرة يصح أن يقال من جهة المعنى ، والمراد أنه سبب الحيرة . لأن الناظرين إذا ارتقوا في سلم أسباب التكوين ينتهون عند درجة الحيرة في معرفة الموجد الأول الذي هو موجود بنفسه لا بسبب ولا علة سابقة عليه ، وبه وجد كل ما عداه ، لا يستطيعون الوصول إلى حقيقة هذا الموجود العظيم الذي لا يعقل وجود هذه الكائنات الممكنة إلا بوجوده ، حتى إن الملاحدة الماديين لما بحثوا في أصل الموجودات ، وارتقوا إلى معرفة البسائط التي تركبت منها الكائنات ، قالوا إنه لا بد أن يكون لها منشأ وحدة مجهول الذات ، ذو قوة وحياة والحاصل أن اسم الجلالة « اللّه » علم على ذات الباري سبحانه وتعالى تجرى عليه الصفات ولا يوصف به . ولفظ « الإله » صفة . والجمهور على أن معناه الشرعي المعبود بحق ، ولذلك أنكر القرآن عليهم تسمية أصنامهم آلهة ، والتحقيق أنه أنكر عليهم تأليهها وعبادتها ، لا مجرد تسميتها ، وقد سماها هو آلهة في قوله ( 11 : 102
وَما ظَلَمْناهُمْ وَلكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَما أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ لَمَّا جاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَما زادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ )
ولا يظهر في هذه الآية قصد الحكاية ومما يترتب على قولنا أن لفظ الجلالة ( اللّه ) علم يوصف ولا يوصف به أن أسماء اللّه الحسنى صفات تجرى على هذا الاسم العظيم ، ولكونها صفات وصفت بالحسنى . قال تعالى ( 7 : 79
وَلِلَّهِ الْأَسْماءُ الْحُسْنى فَادْعُوهُ بِها وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمائِهِ )
وتسند إليه تعالى أفعال هذه الصفات فيقال : رحم اللّه فلانا ، ويرحمه اللّه ، واللهم ارحم فلانا ، وتضاف إليه مصادرها فيقال رحمة اللّه وربوبيته ومغفرته