تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 47

مساهمون:

ص٤٧
اللّه جل شأنه بذاتها ومعناها الذي وضعت له ، ومعنى وصفها بالزيادة أنها كذلك في الإعراب وكذلك معنى « من » في قوله
« وَما هُمْ بِضارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ »
ونحو ذلك . أما التكرار للتأكيد أو التقريع أو التهويل فأمر سائغ في أبلغ الكلام عندما يظهر ذلك القصد منه كتكرار جملة
فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ » *
ونحوها عقب ذكر كل نعمة . وهي عند التأمل ليست مكررة ، فان معناها عند ذكر كل نعمة : أفبهذه النعمة تكذبان . وهكذا كل ما جاء في القرآن على هذا النحو والجمهور على أن معنى الرحمن المنعم بجلائل النعم ، ومعنى الرحيم المنعم بدقائقها ، وبعضهم يقول إن الرحمن هو المنعم بنعم عامة تشمل الكافرين مع غيرهم ، والرحيم هو المنعم بالنعم الخاصة بالمؤمنين . وكل هذا تحكم في اللغة مبنى على أن زيادة المبنى تدل على زيادة المعنى . ولكن الزيادة تدل على زيادة الوصف مطلقا فصفة الرحمن تدل على كثرة الإحسان الذي يعطيه سواء كان جليلا أو دقيقا . وأما كون أفراد الإحسان التي يدل عليها اللفظ الأكثر حروفا أعظم من أفراد الاحسان التي يدل عليها اللفظ الأقل حروفا ، فهو غير معنى ولا مراد . وقد قارب من قال إن معنى الرحمن المحسن بالاحسان العام ولكنه أخطأ في تخصيص مدلول الرحيم بالمؤمنين . ولعل الذي حمل من قال إن الثاني مؤكد للأول على قوله هذا هو عدم الاقتناع بما قالوه من التفرقة مع عدم التفطن لما هو أحسن منه . قال الأستاذ الامام : والذي أقول إن صيغة فعلان تدل على وصف فعلى فيه معنى المبالغة كفعال وهو في استعمال اللغة للصفات العارضة كعطشان وغرثان وغضبان وأما صيغة فعيل فإنها تدل في الاستعمال على المعاني الثابتة كالأخلاق والسجايا في الناس كعليم وحكيم وحليم وجميل . والقرآن لا يخرج عن الأسلوب العربي البليغ في الحكاية عن صفات اللّه عز وجل التي تعلو عن مماثلة صفات المخلوقين . فلفظ الرحمن يدل على من تصدر عنه آثار الرحمة بالفعل وهي إفاضة النعم والاحسان ؛ ولفظ الرحيم يدل على منشا هذه الرحمة والاحسان وعلى أنها من الصفات الثابتة الواجبة . وبهذا المعنى لا يستغنى بأحد الوصفين عن الآخر ولا يكون الثاني مؤكدا للأول ، فإذا سمع العربي وصف اللّه جل ثناؤه بالرحمن وفهم منه أنه المفيض للنعم فعلا لا يعتقد