المراد بالعالمين هنا أهل العلم والإدراك من الملائكة والإنس والجن ، ويؤثر عن جدنا الإمام جعفر الصادق عليه الرضوان . أن المراد به الناس فقط كما يدل على هذا وذاك استعمال القرآن في مثل
« أَ تَأْتُونَ الذُّكْرانَ مِنَ الْعالَمِينَ »
أي الناس ومثل
« لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيراً »
ويرى بعضهم أنه على هذا مشتق من العلم . ومن قال يعم جميع أجناس المخلوقات يرى أنه مشتق من العلامة ، وربوبية اللّه للناس تظهر بتربيته إياهم ، وهذه التربية قسمان : تربية خلقية بما يكون به نموهم وكمال أبدانهم وقواهم النفسية والعقلية - وتربية شرعية تعليمية وهي ما يوحيه إلى أفراد منهم ليكمل به فطرتهم بالعلم والعمل إذا اهتدوا به . فليس لغير رب الناس أن يشرع للناس عبادة ولا أن يحرم عليهم ويحل لهم من عند نفسه بغير إذن منه تعالى .
* * *
الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
تقدم معناهما وبقي الكلام في اعادتهما والنكتة فيها ظاهرة وهي أن تربيته تعالى للعالمين ليست لحاجة به إليهم كجلب منفعة أو دفع مضرة وإنما هي لعموم رحمته وشمول إحسانه . وثمّ نكتة أخرى وهي أن البعض يفهم من معنى الرب الجبروت والقهر فأراد اللّه تعالى أن يذكرهم برحمته وإحسانه ليجمعوا بين اعتقاد الجلال والجمال ، فذكر الرحمن وهو المفيض للنعم بسعة وتجدد لا منتهى لهما ، والرحيم الثابت له وصف الرحمة لا يزايله أبدا . فكأن اللّه تعالى أراد أن يتحبب إلى عباده فعرفهم أن ربوبيته ربوبية رحمة واحسان ليعلموا أن هذه الصفة هي التي ربما يرجع إليها معنى الصفات ، وليتعلقوا به ويقبلوا على اكتساب مرضاته ، منشرحة صدورهم ، مطمئنة قلوبهم ، ولا ينافي عموم الرحمة وسبقها ما شرعه اللّه من العقوبات في الدنيا ، وما أعده من العذاب في الآخرة ، للذين يتعدون الحدود ، وينتهكون الحرمات ، فإنه وإن سمى قهرا بالنسبة لصورته ومظهره ، فهو في حقيقته وغايته من الرحمة ، لأن فيه تربية للناس وزجرا لهم عن الوقوع فيما يخرج عن حدود الشريعة الإلهية ، وفي الانحراف عنها شقاؤهم وبلاؤهم ، وفي الوقوف عندها سعادتهم ونعيمهم ، والوالد الرؤوف يربى ولده بالترغيب فيما ينفعه والإحسان عليه إذا قام به ، وربما لجأ إلى الترهيب والعقوبة إذا اقتضت ذلك الحال ، وللّه المثل الأعلى لا إله إلا هو وإليه يرجعون .