فكل واحد من السلف والخلف مجزى بعمله لا ينفع أحدا منهم عمل غيره من حيث هو عمل ذلك الغير ولا شخصه بالأولى ، وذلك أنها جاءت عقب بيان ملة إبراهيم وإيصاء بعضهم بعضا بها وبيان دروجهم عليها ، ثم جاء بعد ذلك الاحتجاج على القوم بمن يعتقدون فيهم الخير والكمال وكونهم لم يكونوا على هذه اليهودية ولا هذه النصرانية اللتين حدثتا بعدهم ، فجاءت قاعدة الأعمال في هذا الموضع تبين أن المتخالفين في الأعمال والمقاصد لا يكونون متحدين في الدين ولا متساوين في الجزاء ، فأفادت هنا ما لم تفده هناك . وللمسلمين أن يحاسبوا أنفسهم . ويحكموا قاعدة العمل والجزاء بينهم وبين سلفهم ، ولا يغتروا بالتسمية إن كانوا يعقلون
وأزيد على ما تقدم أن انتفاع الناس بعضهم ببعض في الدنيا إنما يكون بمقتضى سنن اللّه تعالى في الأسباب والمسببات ، ومن المعلوم شرعا وعقلا : أن الميت ينقطع عمله بخروجه من عالم الأسباب إلى البرزخ من عالم الغيب ، وأما الآخرة فلا كسب فيها ، وأمرها إلى اللّه وحده ظاهرا وباطنا ، كما قال تعالى ( 82 : 19
يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ )
استدراكات وبيان لأغلاط معنوية في هذا الجزء
( 1 )
في أواخر ص 48 : أقول إن هذه الأمثلة تؤيد ما قاله الأستاذ الإمام إلخ وهذا القول لا يصح على إطلاقه فان كلام ابن القيم مخالف لكلام شيخنا من بعض الوجوه كما يعلم من بياننا لكل منهما وزد على ذلك ان اسم « الرحمن » جاء في التنزيل ثانيا لاسم الذات « اللّه » فهو لا يلاحظ فيه تعلق الرحمة بالمرحومين فعلا كما يدل عليه استعماله في مقامات ليست من موضوع الرحمة بل بعضها عام وبعضها في موضوع العذاب كقوله تعالى في حكاية إنذار إبراهيم لأبيه
( يا أَبَتِ إِنِّي أَخافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذابٌ مِنَ الرَّحْمنِ )
وقوله
( قُلْ مَنْ كانَ فِي الضَّلالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمنُ مَدًّا )
وقوله
( وَخَشِيَ الرَّحْمنَ بِالْغَيْبِ )
وقوله
( إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمنُ بِضُرٍّ )
ومن الآيات التي موضوعها عام ما ورد في الرد على من قالوا
« اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً » *
فحكى قولهم باسم الرحمن كما حكاه باسم اللّه