تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 491

مساهمون:

ص٤٩١
إن هؤلاء إلا مجادلون في الحق بعد ما تبين ، مباهتون للنبي مع العلم بأنه نبي ، إذ ما كان لهم أن يشتبهوا في أمره بعد شهادة كتابهم له ، فإذا كان ظلمهم أنفسهم قد انتهى بهم إلى آخر حدود الظلم ، وهو كتمان شهادة اللّه تعالى تعصبا لجنسيتهم الدينية التي ارتبط بها الرؤساء بالمرؤسين بروابط المنافع الدنيوية من مال وجاه فكيف ينتظر منهم أن يصغوا إلى بيان ، أو يخضعوا لبرهان ؟ والاستفهام هنا يتضعن التوبيخ والتقريع ، المؤكدين بالوعيد في قوله
وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ
وإنما الجزاء على الأعمال ، ثم ختم المحاجة بتأكيد أمر العمل وعدم فائدة النسب فقال * * *
تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَها ما كَسَبَتْ وَلَكُمْ ما كَسَبْتُمْ وَلا تُسْئَلُونَ عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ
وانما تسئلون عن أعمالكم وتجازون عليها ، فلا ينفعكم ولا يضركم سواها ، وهذه قاعدة يثبتها كل دين قويم ، وكل عقل سليم ، ولكن قاعدة الوثنية القاضية باعتماد الناس في طلب سعادة الآخرة وبعض مصالح الدنيا على كرامات الصالحين تغلب مع الجهل كل دين وكل عقل ، ومنبع الجهل التقليد المانع من النظر في الأدلة العقلية والدينية جميعا ؛ اللهم إلا مكابرة الحس والعقل ، وتأويل نصوص الشرع ، تطبيقا لهما على ما يقول المقلّدون المتبعون ( بفتح اللام والباء ) وقد أول المؤولون نصوص أديانهم تقريرا لاتباع رؤسائهم والاعتماد على جاههم في الآخرة لذلك جاء القرآن يبالغ في تقرير قاعدة ارتباط السعادة بالعمل والكسب وتبيينها ونفى الانتفاع بالأنبياء والصالحين لمن لم يتأس بهم في العمل الصالح ، ولذلك أعاد هذه الآية بنصها في مقام محاجة أهل الكتاب المفتخرين بسلفهم من الأنبياء العظام ، المعتمدين على شفاعتهم وجاههم وإن قصروا عن غيرهم في الأعمال . وفائدة الإعادة تأكيد تقرير قاعدة بناء السعادة على العمل دون الآباء والشفعاء ، بحيث لا يطمع في تأويل القول طامع ، والاشعار بمعنى يعطيه السياق هنا وهو أن أعمال هؤلاء ، المجادلين المشاغبين من أهل الكتاب مخالفة لأعمال سلفهم من الأنبياء فهم في الحقيقة على غير دينهم وقد سبق القول بأن الآية أفادت في وضعها الأول أن إبراهيم وبنيه وحفدته قد مضوا إلى ربهم بسلامة قلوبهم وإخلاصهم في أعمالهم ، وانقطعت النسبة بينهم وبين من جاء بعدهم ، فتنكب طريقهم وانحرف عن صراطهم ، وإن أدلى إليهم بالنسب
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 491 | الشيخ محمد رشيد رضا