الأستاذ الامام : وهذا غير صحيح . كلا إن الآية نزلت في إقامة الحجة عليهم بأنهم يعتقدون أن إبراهيم كان على الحق وأن ملته هي الملة الإلهية المرضية عند اللّه تعالى وإذا كان الأمر كذلك وكانت هذه التقاليد التي تقلدوها غير معروفة على عهد إبراهيم فما بالهم صاروا ينوطون النجاة بها ويزعمون أن ما عداها كفر وضلال ؟
فهو لا يثبت لهم القول بأن إبراهيم كان يهوديا أو نصرانيا وإنما يقول إنهم لا يقدرون على القول بذلك لان البداهة قاضية بكذبهم فيه ، ولذلك قال لنبيه
قُلْ أَ أَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ
أي إذا كان اللّه قد ارتضى للناس ملة إبراهيم باعترافكم وتصديق كتبكم وذلك قبل وجود اليهودية والنصرانية فلماذا لا ترضون أنتم تلك الملة لأنفسكم ؟
أأنتم أعلم بالمرضىّ عند اللّه أم اللّه أعلم بما يرضيه وما لا يرضيه ؟ لا شك أن اللّه يعلم وأنتم لا تعلمون وقد صرح ابن جرير الطبري بان قراءة
( أَمْ يَقُولُونَ ) *
بالتحتية شاذة وعلى القول بأنها سبعية يكون في الكلام التفات ( وأقول ) قراءة التاء هي لابن عامر وحمزة والكسائي وحفص وهي للخطاب ، وقراءة الياء للباقين فلا عبرة بعدّ ابن جرير إياها شاذة
وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ ؟
في هذا الاستفهام وجهان أحدهما أنه متمم لما قبله من إقامة الحجة بملة إبراهيم ، يقول إن عندكم شهادة من اللّه بان إبراهيم كان على حق وكان مرضيا عند اللّه تعالى فإذا كتمتم ذلك لأجل الطعن بالإسلام فقد كتمتم شهادة اللّه وكنتم أظلم الظالمين ، وإذا اعترفتم به فاما أن تقولوا إنكم أنتم أعلم من اللّه بما يرضيه ، وإما أن تقوم عليكم الحجة وتحق عليكم الكلمة ان لم تؤمنوا بما تدعون اليه من ملة إبراهيم ، وأحد الأمرين ثابت ، لا يقبل مراوغة مباهت .
والوجه الثاني - وهو أظهر - أن الشهادة المكتومة هي شهادة الكتاب المبشرة بأن اللّه يبعث فيهم نبيا من بنى اخوتهم وهم العرب أبناء إسماعيل ، وكانوا ولا يزالون يكتمونها بالانكار على غير المطلع على التوراة وبالتحريف على المطلع ، فهو يبين هنا - بعد إقامة الحجة بإبراهيم على أن زعمهم حصر الوحي في بني إسرائيل باطل - أن هناك شهادة صريحة بأن اللّه سيبعث فيهم نبيا من العرب ، فكان هذا دليلا ثالثا وراء الدليل العقلي المشار اليه بقوله
( وَهُوَ رَبُّنا وَرَبُّكُمْ )
والدليل الالزامى المشار اليه بقوله
( أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ )
الخ ، فكأنه يقول :