إلقاء الخطبة ولاطفه ولم ينكر عليه هدمه لصرح الدين من أساسه فكتب القيصر إلى صديقه الأميرال ( هولمن ) كتابا طويلا يثبت فيه تمسكه بالدين كما اشتهر عنه ومما قاله فيه :
« من البديهي عندي أن التوراة تحتوى على عدة فصول تاريخية . وهي من البشر لا من وحي اللّه ، ومن ذلك الفصل الذي ورد فيه أن اللّه أعطى موسى على جبل سيناء شريعة بني إسرائيل فاننى أعتقد أنه لا يمكن اعتبار تلك الشريعة موحى بها من اللّه إلا اعتبارا شعريا رمزيا لأن موسى قد نقل تلك الشرائع عن شرائع أقدم منها على الأرجح ، وربما كان أصلها مأخوذا من « شرائع حموربى » - إلى أن قال : - وإنني أستنتح مما تقدم ما يأتي :
« ( 1 ) إنني أؤمن باله واحد ( 2 ) إننا معشر الرجال نحتاج في معرفة هذا الاله إلى شئ يمثل إرادته ، وأولادنا أشد احتياجا منا إلى ذلك ( 3 ) إن الشئ الذي يمثل إرادة اللّه عندنا هو التوراة التي وصلت الينا بالتقليد . وإذا فندت المنكشفات الأثرية بعض رواياتها وذهبت بشئ من رونق تاريخ الشعب المختار - شعب إسرائيل - فلا ضير في ذلك لأن روح التوراة يبقى سليما مهما يطرأ على ظاهرها من الاعتلال والاختلال . وهذا الروح هو اللّه وأعماله .
« إن الدين لم يكن من محدثات العلم فيختلف باختلاف العلم والتاريخ ، وإنما هو فيضان من قلب الانسان ووجدانه بما له من الصلة باللّه » ا ه المراد منه
وقد بينا في تعليقنا على كتاب القيصر هذا وفي مقالات أخرى في المنار وفي تفسيرنا هذا بأن مجموع ما ثبت عند علماء التاريخ والآثار العادية وسائر العلوم في شأن التوراة - وكذا الإنجيل - يؤيد حكم القرآن فيهما وفي أهلهما وهو أن الفريقين أوتوا نصيبا من الكتاب الإلهي لا الكتاب كله ، وأنهم نسوا حظا عظيما منه ، وأنهم حرفوا ما عندهم منه . فعقلاء الإفرنج وعلماؤهم المتدينون يرون أن ما بقي فيه من النور والهدى وسيرة الأنبياء تجب المحافظة عليه والاهتداء به .
ولولا الجهل بحقيقة الاسلام من بعضهم والعصبية السياسية من بعض لآمنوا بالقرآن الذي سبقهم كلهم إلى تصفية سيرة أولئك الأنبياء الكرام من الشوائب ، وبيانه لخلاصة هداهم وطرحه ما عدا ذلك ثم تكميله للهدى والنور المأثور عنهم حتى كانت النسبة بين نورهم ونوره كالنسبة بين نور سراج الزيت ونور الكهرباء بل نور الشمس على أنه أوحى إلى رجل أمي لم يقرأ من تلك الكتب ولا غيرها شيئا
اللّه أكبر إن دين محمد * وكتابه أقوى وأقوم قيلا