تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 488

مساهمون:

ص٤٨٨
الجميع إليه واحدة : هو الخالق وهم المخلوقون ، وهو الرب وهم المربوبون ، وإنما يتفاضلون بالأعمال البدنية والنفسية
وَلَنا أَعْمالُنا
التي تختص آثارها بنا إن خيرا فخير وإن شرا فشر
وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ
كذلك ، وروح الأعمال كلها الإخلاص فهو وحده الذي يجعلها مقربة لصاحبها من اللّه تعالى ووسيلة لمرضاته
وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ
من دونكم ، فإنكم اتكلتم على أنسابكم وأحسابكم ، واغتررتم بما كان من صلاح آبائكم وأجدادكم ، واتخذتم لكم وسطاء وشفعاء منهم تعتمدون على جاههم ، مع انحرافكم عن صراطهم ، وما هو إلا التقرب إلى اللّه تعالى باحسان الأعمال ، مع الإخلاص المبنى على صدق الإيمان ، وهو ما ندعوكم إليه الآن ، فكيف تزعمون أن الإدلاء إلى ذلك السلف الصالح بالنسب ، والتوسل إليهم بالقول هو الذي ينفع عند اللّه تعالى ، وأن الاستقامة على صراطهم المستقيم والتوسل إلى اللّه تعالى بما كانوا يتوسلون إليه به من صالح الأعمال والإخلاص في القلب لا ينفع ولا يفيد ، وما كان سلفكم مرضيا عند اللّه تعالى إلا به ؟ هل كان إبراهيم مقربا من اللّه تعالى بأبيه آزر المشرك ، أم كان قربه وفضله باخلاصه واسلام قلبه إلى ربه ؟ فكما جعل اللّه النبوة في إبراهيم وجعله إماما للناس في الإسلام والاخلاص جعلها كذلك في محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ، فإذا صح لكم إنكار نبوة محمد لأنه لم يكن في سلفه العرب أنبياء فأنكروا نبوة إبراهيم ، فان العلة واحدة ، فكيف لا يتحد المعلول ؟ وحاصل معنى الآية : ابطال معنى شبهة أهل الكتاب أنهم أبناء اللّه وأحباؤه وأنه لا ينجو من كان على غير طريقتهم وإن أحسن في عمله وأخلص في قصده ، وأنهم هم الناجون الفائزون وإن أساءوا عملا ونية ، لأن أنبياءهم هم الذين ينجونهم ويخلصونهم بجاههم ، فالفوز عندهم بعمل سلفهم ، لا بصلاح أنفسهم ولا أعمالهم وهذا الاعتقاد هدم لدين اللّه الذي بعث به جميع أنبيائه ودرج عليه من اتبع سبيهلهم ، فان روح الدين الألهى وملاكه هو التوحيد والإخلاص المعبر عنه بالإسلام وكل عمل أمر به الدين فإنما الغرض منه اصلاح القلب والعقل بسلامة الاعتقاد وحسن القصد ، فإذا زال هذا المعنى وحفظت جميع الأعمال الصورية فإنها لا تفيد شيئا ، بل إنها تضر بدونه ، لأنها تشغل الإنسان بما لا يفيد ، وتصده عن المفيد