تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 487

مساهمون:

ص٤٨٧
وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ
( 140 )
أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطَ كانُوا هُوداً أَوْ نَصارى ؟ قُلْ أَ أَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ ؟ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ . وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ
( 141 )
تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَها ما كَسَبَتْ وَلَكُمْ ما كَسَبْتُمْ وَلا تُسْئَلُونَ عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ .
* * * هذا ضرب آخر من محاجة أهل الكتاب جار على نسق سابقه مؤتلف معه متصل به غير منقطع ولا نازل في واقعة خاصة للرد على كلمات قالها اليهود كما ذهب اليه ( الجلال ) وغيره ، إذ قالوا : إن اليهود قالوا يجب أن يكون جميع الناس تابعين لنا في الدين لأن الأنبياء منا والشريعة نزلت علينا ولم يعهد في العرب أنبياء ولا شرائع . نعم لا ننكر صدور هذا القول من اليهود فإنهم كانوا يقولون مثله دائما وإنما نقول إن الآيات متناسقة مع ما قبلها متممة له مزيلة لشبهات كانت فاشية في القوم في كل مكان ، لا خاصة برد قول لأحد يهود الحجاز . الآيات السابقة بينت أن الملة الصحيحة هي ملة إبراهيم وهي لم تكن يهودية ولا نصرانية ، وإنما هي صبغة اللّه التي لا صنع لأحد فيها ، بل هي بريئة من اصطلاحات الناس وتقاليد الرؤساء ، فهي الجديرة بالاتباع ، ولكن التقاليد والأوضاع قد طمستها بعد ما جرى الأنبياء عليها ، وحلت تلك التقاليد محلها حتى ذابت هي فيها وخفيت فلم تعد تعرف ، ولذلك جاء محمد عليه الصلاة والسّلام ببيانها ، ودعوة الناس إلى الرجوع إليها ، فبين تعالى بتلك المحاجة الحق الذي يجب التعويل عليه ، ثم أخذ في هذه الآيات يزيل الموانع ويبطل الشبهات المعترضة في طريق ذلك الحق ، فأمر نبيه بما ترى من الحجة في قوله :
قُلْ أَ تُحَاجُّونَنا فِي اللَّهِ
بدعواكم الاختصاص بالقرب منه وزعمكم أنكم أبناء اللّه وأحباؤه ، وأنه لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى ، ومن أين جاءكم هذا القرب والاختصاص باللّه دوننا
وَهُوَ رَبُّنا وَرَبُّكُمْ
ورب العالمين ، فنسبة
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 487 | الشيخ محمد رشيد رضا