تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 484

مساهمون:

ص٤٨٤
له وجود يمكن الرجوع إليه والنظر فيه فان أقوامهم يأثرون عنهم كتبا . وأقول الآن : إن المراد الإيمان بما أنزل اللّه تعالى وما أعطاه لأولئك النبيين والمرسلين إجمالا ، وأنه كان وحيا من اللّه فلا نكذب أحدا منهم بما ادعاه ودعا اليه في عصره ، بصرف النظر عما طرأ عليه من ضياع بعضه وتحريف بعض . فان ذلك لا يضرنا ، لأن الإيمان التفصيلي والعمل مقصور على ما أنزل إلينا ، فقد روى البخاري من حديث أبي هريرة « أن أهل الكتاب كانوا يقرؤون التوراة بالعبرانية ويفسرونها بالعربية لأهل الإسلام فقال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم وقولوا
( آمَنَّا بِاللَّهِ )
الآية » وروى ابن أبي حاتم في تفسيره عن معقل بن يسار مرفوعا « آمنوا بالتوراة والإنجيل والزبور وليسعكم القرآن » وأما ما ذكره شيخنا من نكتة اختلاف التعبير فيشكل بقوله في أول الآية
( وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا )
أي معشر المسلمين وهو القرآن وقوله بعد
( وَما أُوتِيَ النَّبِيُّونَ )
ولم يعلم أنه كان لغير داود منهم كتاب منزل . على أن عدم العلم بكتب أنزلت على إبراهيم وإسماعيل وإسحق لا يدل على عدم تلك الكتب . ولعل نكتة اختلاف التعبير أن يشمل ما أوتى موسى وعيسى تلك الآيات التي أيدهما بها كما قال
( وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى تِسْعَ آياتٍ بَيِّناتٍ )
وقال
( وَآتَيْنا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّناتِ ) *
ثم قال
( وَما أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ )
ليدل على أن ذلك لم يكن خاصا بموسى وعيسى واللّه أعلم وقال بعد ما ذكر الفريقين
لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ
أي سواء منهم من له كتاب يؤثر ومن ليس له ذلك ، نؤمن بالجميع إجمالا ونأخذ التفصيل عن خاتمهم الذي بين لنا أصل ملتهم التي كانوا عليها وزادنا من الحكم والأحكام . ما يناسب هذا الزمان وما بعده من الأزمان ، والعمدة في الدين على إسلام القلب للّه تعالى
وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ
أي مذعنون منقادون كما يقتضى الايمان الصحيح ولستم كذلك أهل الكتاب وإنما أنتم متبعون لأهوائكم وتقاليدكم لا تحولون عنها * * *
فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ ما آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا
قال صاحب الكشاف : إن الآية تعريض بأهل الكتاب وتبكيت لهم ، وقال الجلال : إن لفظ « مثل » زائد واستنكر الأستاذ الإمام ذلك واستكبره كعادته فإنه يخطئ كل من يقول : إن في القرآن كلمة