وأساسها أن علم الإنسان وأعماله النفسية والبدنية لها الأثر الذي يفضى به إلى سعادته أو شقائه اضطرارا ، ولما كانت هذه السنة بقضاء اللّه وتقديره صح أن يقال : إن اللّه قد اضطر الكافر إلى العذاب وألجأه إليه إذ جعل الأرواح المدنسة بالعقائد الفاسدة والأخلاق المذمومة محل سخطه وموضع انتقامه في الآخرة ، كما جعل أصحاب الأجساد القذرة عرضة للامراض في الدنيا .
ولما كانت هذه العقائد والمعارف والأخلاق والأعمال كسبية وكان الإنسان متمكنا من اختيار الحق على الباطل والطيب على الخبيث ، وقد هداه اللّه إلى ذلك بما أعطاه من العقل ، وما نزله من الوحي - صح أن يقال : إنه ظلم نفسه وعرضها للعذاب والشقاء بأعماله التي مبدؤها كسبى ، وأثرها ضروري
وفي قوله تعالى
( وَمَنْ كَفَرَ )
الخ إيجاز بالعطف على محذوف علم منه أنه تعالى استجاب دعاء إبراهيم في المؤمنين ، فجعل لهم هذا الخير في الدنيا وأعد لهم ما هو أفضل منه في الآخرة . وهو إيجاز لم يكن يعهد في غير القرآن جار على الأصل الذي تقدم بيانه في خطاب القرآن للعرب خاصة دون ما كان يخاطب به بني إسرائيل وإن كان كل ما في القرآن عبرة عامة لجميع المعتبرين ، كما تكرر عن الأستاذ الامام
* * *
( 127 )
وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْراهِيمُ الْقَواعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْماعِيلُ : رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ
( 128 )
رَبَّنا وَاجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنا مَناسِكَنا وَتُبْ عَلَيْنا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ
( 129 )
رَبَّنا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ .
* * *
ذكر اللّه تعالى العرب أولا بنعمته عليهم بهذا البيت : أن جعله مثابة للناس وأمنا ، وبدعاء إبراهيم عليه الصلاة والسّلام لبلد البيت واستجابة اللّه تعالى دعاءه « تفسير القرآن الحكيم » « 30 » « الجزء الأول »