وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ )
أي يسبحون ربك فعدى التسبيح بنفسه إلى ضمير الرب كما عدّاه بنفسه إلى اسم الرب في قوله تعالى ( 87 : 1
سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى )
وبالياء في قوله ( 56 : 96
فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ ) *
وقال ( 57 : 1
سَبَّحَ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ )
ومثله كثير . وقال تعالى
( فَتَبارَكَ اللَّهُ * *
25 : 1
تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقانَ )
كما قال ( 55 : 78
تَبارَكَ اسْمُ رَبِّكَ )
رأى بعضهم أن يجمع بين هذه الآيات بجعل الاسم عين المسمى ، وأن ذكر اللّه وذكر اسمه وتسبيحه وتسبيح اسمه واحد ، لأن اسمه عين ذاته ، وأن هذا خير من القول بأن لفظ « اسم » مقحم زائد . والصواب أن الذكر في اللغة ضد النسيان وهو ذكر القلب ولذلك قرنه بالتفكر في سورة آل عمران ( 3 : 190 ) وهما عبادتان قلبيتان ، وقال ( 18 : 24
وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذا نَسِيتَ )
ويطلق الذكر أيضا على النطق باللسان لأنه دليل على ذكر القلب وعنوان وسبب له ، وإنما يذكر اللسان اسم اللّه تعالى كما يذكر من كل الأشياء أسماءها ، دون ذوات مسمياتها ، فإذا قال نار لا يقع جسم النار على لسانه فيحرقه ، وإذا قال الظمآن « ماء » لا يحصل مسمى هذا اللفظ في فيه فينقع غلته ، فذكر اللّه تعالى في القلب هو تذكر عظمته وجلاله وجماله ونعمه ، وورد التصريح بالأمر بذكر نعمة اللّه وآلاء اللّه . وذكره باللسان هو ذكر أسمائه الحسنى وإسناد الحمد والشكر والثناء إليها ، وكذلك تسبيحه تعالى ، فالقلب يسبحه باعتقاد كماله وتذكر تنزيهه عما لا يليق به ، واللسان يسبحه بإضافة التسبيح إلى أسمائه من غير ذكر للفظ الاسم . روى أحمد وأبو داود وابن ماجة والحاكم في مستدركه وابن حبان في صحيحه عن عقبة بن عامر قال : لما نزلت
فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ *
قال لنا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم « اجعلوها في ركوعكم » فلما نزلت
« سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى »
قال « اجعلوها في سجودكم » والمراد أن يقولوا « سبحان ربى العظيم » « لا سبحان اسم ربى العظيم » فقد روى أحمد وأصحاب السنن الأربعة وصححه الترمذي عن حذيفة قال صليت مع النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فكان يقول في ركوعه « سبحان ربى العظيم » وفي سجوده « سبحان ربى الأعلى » . ولهذا ورد في الكلام عن الذبائح ذكر اسم اللّه عليها « فكلوا مما ذكر اسم اللّه عليه » وتقدم آنفا