تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 463

مساهمون:

ص٤٦٣
رمزا إلى أن ذاته المقدسة تحضره ، فإذا كان الحضور الحقيقي محالا عليها ، فإنها تحضره رحمته الإلهية ، ولذلك كان التوجه إليه بمنزلة التوجه إلى تلك الذات العلية ، لو وجد العبد إلى ذلك سبيلا . ولو كلف اللّه عباده بعبادته مطلقا - وقد علمهم بنظر العقل وإرشاد الشرع أنه ليس كمثله شئ لوقعوا في الحيرة والاضطراب لا يدرون كيف يتوجهون إلى ذات غيبية مطلقة . ولو اختار بعضهم لنفسه عبادة تليق بهذا التنزيه الذي أرشد إليه الكتاب وصدقه العقل لما اهتدى إليه الآخرون وبذلك يفقد المؤمنون الجامعة التي تجمعهم على أفضل الأعمال التي تؤلف بين قلوبهم ، لذلك قلنا : إن اللّه رحمهم إذ جعل لنفسه بيتا يقصدونه ويثوبون إليه عند الإمكان ، ويتوجهون إليه في صلاتهم وإن بعد المكان ، ولا يخشى على المؤمن توهم الحلول في ذات اللّه بنسبة البيت إليه بعد ما نفى سبحانه كل إيهام بقوله
( وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ واسِعٌ عَلِيمٌ ) .
أقول : ولا يرد على هذا كون السماء قبلة الدعاء لاشعارها بعلوه تعالى على جميع خلقه للفرق الظاهر بين الصلاة والدعاء . وقوله تعالى
لِلطَّائِفِينَ وَالْعاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ
يؤيد ما رجحه الأستاذ الامام من جعل المصلى بالمعني العام أي المعبد ، فإنه بعد أمر الناس باتخاذ مقام إبراهيم مصلى ، بين لنا أن إبراهيم وإسماعيل طهراه بأمره لاداء أنواع من العبادات فيه كالطواف وفي معناه السعي بين الصفا والمروة والعكوف في المسجد والركوع والسجود وهما من أعمال الصلاة . والركع السجود جمع الراكع والساجد والآية تدل على أن إبراهيم كان مأمورا هو ومن آمن به بهذه العبادات ، ولكن لا دليل فيها على أنهم كانوا يؤدونها على الوجه المشروع عندنا * * *
وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هذا بَلَداً آمِناً
هذه الآية معطوفة على ما قبلها مسوقة لبيان منة أو منن أخرى على أهل الحرم وهي ما تضمنه دعاء إبراهيم من جعل البلد آمنا في نفسه ، وهو غير ما سبقت به المنة من جعل البيت آمنا . وقد فسر الجلال ( آمنا ) بقوله : ذا أمن : مع أن المعنى ظاهر وهو أن يكون محفوظا من الأعداء الذين يقصدونه بالسوء ، وهو غير معنى كونه ذا أمن ، أي إن من يكون فيه يكون آمنا