بأنه ليس فيهما ما يدل على أن الحجر هو المراد بمقام إبراهيم في الآية دون غيره وإنما صلاته تدل على أن الصلاة هناك مشروعة . على أن في سند حديث أبي نعيم مقالا ، والخطاب في الأصل للمؤمنين في زمن إبراهيم عليه السّلام ولم تكن صلاتنا هذه صلاتهم ، فحمل المقام على جميع شعائر الحج التي قام فيها إبراهيم والصلاة على معناها اللغوي الذي يشمل صلاة إبراهيم ومن كان معه على عبادته كما يشمل صلاتنا ومناسكنا أظهر ، كما قال الأستاذ الإمام . والصلاة عند العرب وغيرهم من الأمم تشمل الدعاء والثناء على اللّه والتوسل إليه بكل قول وعمل يدل على التوجه إليه سبحانه ، ويقول المحققون من الفقهاء : حيثما صليت من المسجد فثم مقام إبراهيم . والناس يتحرون صلاة ركعتي الطواف خلف البناء المرتفع الذي وضع فيه الحجر الذي فيه أثر قدم إبراهيم صلّى اللّه عليه وسلّم إن أمكن ، والمروى أنه كان ملاصقا للكعبة فأخره إلى ذلك المكان عمر ( رض ) كما رواه عبد الرزاق بسند قوى عندهم ، وروى ابن مردويه عن مجاهد بسند ضعيف أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم هو الذي أخره .
وسيأتي في تفسير آل عمران من أول الجزء الرابع مزيد كلام في هذا المقام
قال تعالى
وَعَهِدْنا إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ أَنْ طَهِّرا بَيْتِيَ
الخ عهد إليه بالشئ وصاه به ، والمراد أن اللّه كلفهما أن يطهرا ذلك المكان الذي نسبه إليه وسماه بيته لأنه جعله معبدا يعبد فيه العبادة الصحيحة . ولم يذكر ما يجب أن يطهراه منه ليشمل جميع الرجس الحسى والمعنوي كالشرك وأصنامه واللغو والرفث والتنازع .
وتخصيص اللّه تعالى ذلك البيت بالنسبة إلى ذاته المنزهة عن صفات الأجسام ليس لخصوصية في موقعه ولا في أحجاره ، وإنما كان بيتا للّه لأن اللّه تعالى سماه بيته وأمر بأن يتوجه إليه المصلون ، وبأن يعبد فيه عبادة خاصة . والحكمة في ذلك أن البشر يعجزون عن التوجه إلى موجود غيبى مطلق لا يتقيد بمكان ولا ينحصر في جهة وهم في حاجة إلى التوجه إلى خالقهم وشكره والتوسل إليه والثناء عليه واستمداد رحمته ومعونته لما في ذلك من الفائدة لهم لأنه يعلى مداركهم عن التقيد في دائرة الأسباب المعروفة على ضيقها وعن الاستخذاء لما لا يعرفون له سببا ، ويرفع نفوسهم عن الرضى بالحياة الحيوانية . فله الحمد والمنة أن عين لهم مكانا نسبه إليه فسماه بيته