ممن يسطو عليه فيظلمه أو ينتقم منه . وقد استجاب اللّه دعاء إبراهيم في ذلك ، ومن تعدى على البيت لم يطل زمن تعديه بحيث يقال : إنه قد مر زمن طويل لم يكن البيت فيه آمنا ؛ بل لم ينجح أحد تعدى عليه لذاته ، وإنما كان التعدي القصير هو التعدي العارض على بعض من اعتصم فيه
وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَراتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ
فسر الجلال الرزق من الثمرات بنقل جبريل الطائف من حوران في بلاد الشام أو من فلسطين إلى مكانه الآن في أرض الحجاز مع أن الكلام في البيت وبلده مكة لا في الطائف . ورزق أهل هذا البلد الأمين من الثمرات ظاهر معروف بالمشاهدة والاختبار المصدقين لما جاء به الكتاب في سورة القصص بقوله ( 28 : 57
أَ وَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَماً آمِناً يُجْبى إِلَيْهِ ثَمَراتُ كُلِّ شَيْءٍ )
فالثمرات تجبى وتجمع من حيث تكون وتساق إلى مكة ، ولا فرق في ذلك بين كونها من الطائف أو من الشام أو مصر أو الروم مثلا ، وكونها تجمع من أقطار متفرقة أظهر في صدق الآية وأدل على التسخير . وحديث نقل الطائف لا يصح ولكنهم ألصقوه بكتاب اللّه وجعلوه تفسيرا له وهو برئ منه وغير محتاج في صدقه إليه
وقد خص إبراهيم بدعائه المؤمنين كما هو اللائق به . ولكن اللّه واسع الرحمة وقد جعل رزق الدنيا عاما للمؤمن والكافر ( 17 : 20
كُلًّا نُمِدُّ هؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ مِنْ عَطاءِ رَبِّكَ وَما كانَ عَطاءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً )
ولكن تمتيع الكافر محدود بهذا العمر القصير ؛ ومصيره في الآخرة إلى شر مصير ، وذلك جواب اللّه تعالى لإبراهيم قال
وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلى عَذابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ
أي وأرزق من كفر أيضا فأمتعه بهذا الرزق قليلا وهو مدة وجوده في الدنيا ثم أسوقه إلى عذاب النار سوقا اضطراريا لا يقصده هو ولا يعلم أن كفره ينتهى به اليه ، وذلك أن لجميع أعمال البشر الاختيارية غايات وآثارا اضطرارية تفضى وتنتهى إليها بطبيعتها بحسب نظام الأسباب والمسببات ، كما يفضى الاسراف في الشهوات أو التعب أو الراحة إلى بعض الأمراض في الدنيا . فالكفار والفساق مختارون في كفرهم وفسقهم ، فعقابهم عليها إنما هو عقاب على أعمال اختيارية ، وهو أن كفرهم بآيات اللّه سيسوقهم إلى عذاب اللّه بما أقام اللّه تعالى عليه الإنسان من السنن الحكيمة ،