التوبيخ والتقريع ، لإزالة ما ربما يحدثه ذلك من الاستياء الذي يتوقع أن يكون من أسباب التنفير عما في الآية التالية ، وليس هذا من التكرار الذي يتحاماه البلغاء وإنما هو من إعادة الشئ لإفادة ما لا يستفاد بدونه . كأن هذه الآية تمهيد لما بعدها وهو فذلكة القصة ، والمقصود من إقامة الحجة
* * *
ذلك قوله تعالى
وَاتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً
فلا ينفعكم يوم القيامة أن تعتذروا عن الاعراض عن فهم كتاب اللّه بأن بعض سلفكم كانوا يفهمونه ويتدبرونه ، وإنكم استغنيتم بتدبرهم وفهمهم عن أن تفهموا وتتدبروا ، فإنه يوم لا يغنى فيه أحد عن أحد شيئا . ويؤيد الآية حديث الصحيحين « يا فاطمة بنت محمد سليني من مالي ما شئت لا أغنى عنك من اللّه شيئا » الخ وإذا كان لا يجزى فهم سلفكم عنكم أنكم أعرضتم عن هداية كتابه فلا تنفعكم شفاعتهم أيضا ، كما أنه لا يقبل منكم عدل ولا فداء تفتدون به وتجعلونه معادلا لما فرطتم فيه كما قال
وَلا يُقْبَلُ مِنْها عَدْلٌ وَلا تَنْفَعُها شَفاعَةٌ
وكانوا يعتقدون بالمكفرات تؤخذ عدلا عما فرطوا فيه وبشفاعة أنبيائهم فأخبرهم اللّه تعالى أنه لا يقوم مقام الاهتداء بكتابه شئ آخر ثم قطع حبل رجائهم من كل ناصر ينصرهم فقال
وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ
أي إنه لا يأتيهم نصر من هاتين الجهتين ولا من غيرهما .
وقد تقدم في تفسير الآيات الأولى ما يغنى عن الإطالة هنا وليس في هذه زيادة في المعنى إلا أن التعبير قد اختلف تفننا ، ففي الآية الأولى تقدم ذكر الشفاعة منفية القبول ، وتأخر ذكر العدل غير مأخوذ ، وفي هذه الآية نفى قبول العدل أولا ثم نفى نفع الشفاعة ثانيا . وكأنه يشبر بهذا التفنن إلى أنه لا فرق بين الفداء والشفاعة في الجواز والمنع فمن منع العوض في الآخر لزمه منع الشفاعة فان جوزها جوزه
* * *
( 124 )
وَإِذِ ابْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قالَ إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً قالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قالَ لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ
* * *
أقول : بعد أن أقام اللّه الحجة على أهل الكتاب وبين شؤونهم في الكفر