ولا لأجل أن تكيف الأصوات حروفه وكلمه ولكن ليعلم مراد المرسل منه ويعمل به « 1 »
( الأستاذ الإمام ) إن الاستهداء بالقرآن ، واجب على كل مكلف في كل زمان ومكان ، فعلى كل قارىء أن يتلو القرآن بالتدبر وأن يطالب نفسه بفهمه والعمل به ، ولا شك أن كل من له معرفة ولو قليلة باللغة العربية فإنه يفهم من القرآن ما يهتدى يه ، ومن كان أميا أو عجميا فإنه ينبغي له أن يسأل القارئين أن يقرأوا له القرآن ويفهموه معناه ، وقد تقدم التنبيه على هذا في مقدمة تفسير سورة الفاتحة . بل قال الأستاذ في هذا المقام : إنني أعتقد أنه يجب على كل مسلم أن يقرأ القرآن أو يسمعه كله ولو مرة واحدة في عمره ، ومن فوائد ذلك أن يأمن من إنكار شئ منه إذا عرض عليه أو سمعه مع التشكيك فيه .
* * *
أقام اللّه تعالى الحجج الدامغة على أهل الكتاب ثم ناداهم ودعاهم إلى ترك أسباب الغرور المانع من الإيمان فقال
يا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ
وقد سبق التذكير بهذه النعمة في أول المحاجة ثم أعيد هنا للمناسبة الظاهرة ، وهي أنه بعد ما ذكر أن الإعراض عن تدبر الكتاب والتفقه فيه هو كفر به ، ذكرهم بأنه لا يليق بمن كرمه ربه وفضله على غيره من الشعوب بايتائه الكتاب أن يكون حظه منه كحظ الحمار يحمل أسفارا . فإذا كان ابتدأ العظة والدعوة بذكر هذا التفضيل لتتوجه إليها الأنظار وتصغى إليها الأسماع كما تقدم في تفسير الآية الأولى ( 47 ) فلا غرو أن يذكر هذا التفضيل ثانيا بعد
هامش
( 1 ) سبق الامام الغزالي إلى مثل هذا المثل فذكره في الاحياء غير مرة وهذه عبارة له فيه قال « مثال العاصي إذا قرأ القرآن وكرره مثل من يكرر كتاب الملك في كل يوم مرات وقد كتب اليه في عمارة مملكته وهو مشغول بتخريبها ومقتصر على دراسة كتابه فلعله لو ترك الدراسة عند المخالفة لكان أبعد عن الاستهزاء والمقت » ا ه من الباب الثالث من كتاب آداب تلاوة القرآن . ونقول : إن الأحاديث التي وردت في الترغيب بالتلاوة من غير ذكر التدبر تحمل على اعتبار التدبر المعلوم من الآيات والأحاديث الأخرى . على أن حفظ ألفاظ القرآن مقصوده لينقل بالتواتر ولا ينافي هذا كونه حجة على القارئ الذي لا يهتدى ولا يعتبر به كما في الحديث الصحيح