كانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبابِ )
فإننا نعرف حكم أهل القرآن عنده تعالى مما ذكره عن أهل التوراة والإنجيل كما نعرفه من مثل قوله عز وجل ( 47 : 23
أَ فَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها )
وقوله ( 38 : 28
كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ مُبارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ )
فكل هذه الآيات والعبر لم تحل دون اتباع هذه الأمة سنن من قبلها شبرا بشبر وذراعا بذراع كما أنبئت للتحذير ، والقرآن حجة عليها كما ورد في الحديث « والقرآن حجة لك أو عليك » « 1 » ولا شك أن من يتلو ألفاظ للقرآن وهو معرض عن هدايته غير معتبر بوعده ووعيده فهو كالمستهزىء بربه .
سأل سائل من المقلدين حاضري الدرس بأن العلماء قالوا : إن القرآن يتعبد بتلاوته . فقال الأستاذ الإمام : نعم ولكنهم لم يقولوا إنه أنزل لذلك وكيف يقولون ذلك واللّه . الذي أنزله يقول إنه أنزله
( لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ )
فالقرآن وكذلك السنة يصرحان في مواضع كثيرة بخلاف هذا القول إذا أخذ على إطلاقه وجعل معناه أو من معناه أن اللّه تعالى يطالب عباده بقراءة القرآن بدون تدبر ولا تذكر . وقد جاء من الأحاديث ما يصف حال قوم يأتون بعد « يقرءون القرآن لا يجاوز تراقيهم » وقد سماهم شرار الخلق ، فهؤلاء الأشرار قد اتخذوا القرآن من الأغانى والمطربات ؛ وإذا طالبت أحدهم بالفهم والتدبر أخذته العزة بالإثم واحتج عليك بكلمة قالها فلان أو حلم رآه فلان ، وهكذا انقلب على المسلمين وضع الدين ، ثم هم يتعجبون مع ذلك كيف حرموا من وعد اللّه في قوله
( وَكانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ )
( أَ فَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جاءَهُمْ ما لَمْ يَأْتِ آباءَهُمُ الْأَوَّلِينَ * أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ )
وضرب الأستاذ مثلا رجلا يرسل كتابا إلى آخر فيقرأه المرسل إليه هذرمة أو يترنم به ولا يلتفت إلى معناه ولا يكلف نفسه إجابة ما طلب فيه ثم يسأل الرسول أو غيره : ماذا قال صاحب الكتاب فيه وما ذا يريد منه ؟ أيرضى المرسل من المرسل إليه بهذا أم يراه استهزاء به ؟ فالمثل ظاهر وإن كان الحق لا يقاس على الخلق ، فإن الكتاب لا يرسل لأجل ورقه ؛ ولا لأجل نقوشه
هامش
( 1 ) جملة من حديث رواه مسلم والنسائي وابن ماجة عن أبي مالك الأشعري مرفوعا « تفسير القرآن الحكيم » « 29 » « الجزء الأول »