تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 448

مساهمون:

ص٤٤٨
النبي ولا ضرر في إعراضهم . وأما الآخرون فإنهم لتدبرهم وفهمهم أسرار الدين ، وعلمهم بوجوب مطابقتها لمصالح المكلفين ، يعقلون ان ما جاء به هو الحق الذي يتفق مع مصلحة البشر في ترقية أرواحهم ، وفي نظام معايشهم ، فيؤمنون به وانما ينتفع بايمان أمثالهم وجملة القول أن هذا التعبير أفاد حكما جديدا وإرشادا عظيما وهو أن الذي يتلو الكتاب لمجرد التلاوة مثله كمثل الحمار يحمل أسفارا فلاحظ له من الايمان بالكتاب لأنه لا يفهم أسراره ولا يعرف هداية اللّه فيه . وقراءة الألفاظ لا تفيد الهداية وان كان القارئ ، يفهم مدلولاتها كما يقول المفسر والمعلم لها « 1 » لأن هذا الفهم من قبيل التصور ، وما التصور إلا خيال يلوح ويتراءى ، ثم يغيب ويتناءى ، وإنما الفهم فهم التصديق والإذعان ممن يتدبر الكتاب مستهديا مسترشدا ملاحظا أنه مخاطب به من اللّه تعالى ليأخذ به فيهتدى ويرشد ، والمقلدون محرومون من هذا فلا يخطر لهم ببال انهم مطالبون بالاهتداء بكتاب اللّه تعالى وانما الهداية عندهم محصورة في كلام رؤسائهم الدينيين ، ولا سيما إذا كانوا ميتين . وإذا كنا نعتبر بما قص اللّه تعالى علينا من خبر أهل الكتاب ، كما قال
( لَقَدْ *
هامش
( 1 ) يؤيد هذا ما ذكره الامام الغزالي في بحث التخلي عن موانع فهم القرآن عند التلاوة وهو أن حجب الفهم أربعة ( أولها ) أن يكون الهم منصرفا إلى تحقيق الحروف باخراجها من مخارجها وهذا يتولى حفظه شيطان وكل بالقراء ليصرفهم عن فهم معاني كلام اللّه عز وجل » . ( ثانيها ) أن يكون مقلدا لمذهب سمعه بالتقليد وجمد عليه وثبت في نفسه التعصب له بمجرد الاتباع للمسموع من غير وصول اليه ببصيرة ومشاهدة ، فهذا شخص قيده معتقده عن أن يجاوزه فلا يمكن أن يخطر بباله غير معتقده ، فصار نظره موقوفا على مسموعه ، فان لمع برق على بعد وبدا له معنى من المعاني التي تخالف مسموعه حمل عليه شيطان التقليد حملة وقال كيف يخطر هذا ببالك وهو خلاف معتقد آبائك ؟ فيرى أن ذلك غرور من الشيطان فيتباعد منه ويحترز عن مثله ، ولمثل هذا قالت الصوفية . ان العلم حجاب . وأرادوا بالعلم العقائد التي استمر عليها أكثر الناس بمجرد التقليد أو بمجرد كلمات جدلية حررها المتعصبون للمذاهب وألقوها إليهم » ا ه المراد منه بنصه ( راجع الباب الثالث من كتاب آداب تلاة القرآن في الاحياء ) .
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 448 | الشيخ محمد رشيد رضا