بطبيعتهم واستعدادهم ، فلا معنى حينئذ لتخصيص واحد منهم بالانتساب اليه وجعله ولدا مجانسا له ( 19 : 93
إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمنِ عَبْداً )
نعم إن له سبحانه أن يختص من شاء بما شاء كما اختص الأنبياء بالوحي ولكن هذا التخصيص لا يرتقى بالمخلوق إلى مرتبة الخالق ، ولا يعرج بالموجود الممكن إلى درجة الوجود الواجب ، وإنما يودع سبحانه في فطرة من شاء ما يؤهله لما شاء منه ( 20 : 50
أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى )
وليست شبهة الذين اتخذوا بعض البشر آلهة بأمثل من شبهة الذين اتخذوا بعض الكواكب آلهة ، إذ التفاوت بين الشمس والقمر أظهر مثلا من التفاوت بين المسيح وبين سائر الناس الذين عبدوه وقالوا هو ابن اللّه أو هو اللّه
وقد غلب في الملكية ما لا يعقل فقال
( لَهُ ما فِي السَّماواتِ )
الخ لأن المراد بتسخيرها له التسخير الطبيعي الذي لا يشترط فيه الاختيار ، لا التسخير الشرعي المعبر عنه بالتكليف الذي يفعله الكاسب باختياره ، ويستوى في التسخير الطبيعي العاقل وغيره ، ولكنه في غير العاقل أظهر . ولما ذكر القنوت له تعالى جمعه بضمير العاقل فغلب فيه العقلاء لأن من شأن القنوت أن يكون من العاقل الذي يشعر بموجبه ويفعله باختياره ، وإن كان لغير العاقل قنوت يليق به . وجملة القول : أن الآية ناطقة بأن ما في السماوات والأرض ملك للّه تعالى ومسخر لإرادته ومشيئته لا فرق بين العاقل وغيره ، فقد حكم على الجميع بالملكية وبالقنوت الذي يراد به التسخير وقبول تعلق الإرادة والقدرة ، ولكنه عند ذكر الملك عبر عنه بالكلمة التي تستعمل غالبا في غير العاقل وهي كلمة ( ما ) لأن المعهود في ذوق اللغة وعرف أهلها أن الملك يتعلق بمالا يعقل ، وعند ذكر القنوت عبر عنه بضمير العقلاء لأنه من أعمالهم ، ومما يعهد منهم ويسند إليهم لغة وعرفا . وهذا كما ترى من أدق التعبير وألطفه ، وأعلى البيان وأشرفه
* * *
ثم زاد هذين الحكمين بيانا وتأكيدا فقال
بَدِيعُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
قال المفسرون ؛ ان البديع بمعنى المبدع فهو مشتق من الرباعي « أبدع » واستشهدوا ببيت من كلام عمرو بن معدى كرب جاء فيه ( سميع ) بمعنى مسمع ، وقالوا قد تعاقب