تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 434

مساهمون:

ص٤٣٤
تطبيق ذلك على من نسب إليهم هذا الظلم فانظر ما ذا حل بالرومانيين ، وما ذا كانت عاقبة العرب المشركين ، وبماذا انتهى عدوان الصليبيين ، وكيف انقرض حزب القرامطة المجرمين ، وأما عذاب الآخرة فاللّه أعلم به ونحن بوعده ووعيده من المؤمنين * * * ثم قال تعالى
وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ
ذهب المفسر ( الجلال ) إلى أن المراد بالمشرق والمغرب الأرض كلها لأنهما ناحيتاها ، وقال في قوله
فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ
أي أىّ مكان تستقبلونه في صلاتكم فهناك وجه القبلة التي أمر اللّه بأن يتوجه إليها . ووجه الأستاذ الإمام هذا بقوله : إن من شأن العابد أن يستقبل وجه المعبود ، ولما كان سبحانه منزها عن المادة والجهة واستقباله بهذا المعنى مستحيلا شرع للناس مكانا مخصوصا يستقبلونه في عبادتهم إياه ، وجعل استقبال ذلك المكان كاستقبال وجهه تعالى . ثم قال : هذه الآية متصلة بما قبلها وهو قوله تعالى
( وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَساجِدَ اللَّهِ )
الخ وأكثر المفسرين على خلاف ما قال الجلال في تفسير المشرق والمغرب : قالوا إن المراد بهما الجهتان المعلومتان لكل أحد ، ولذلك خصهما بالذكر ، فهو كقوله تعالى ( 55 : 17
رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ )
وهو يستلزم ما قاله الجلال فان المراد على كل حال : أية جهة استقبلت وتوجهت إليها في صلاتك فأنت متوجه إلى اللّه تعالى لأن كل الجهات له
إِنَّ اللَّهَ واسِعٌ
لا يتحدد ولا يحصر فيصح أن يتوجه إليه في كل مكان
عَلِيمٌ
بالمتوجه إليه أينما كان ، أي فاعبد اللّه حيثما كنت ، وتوجه إليه أينما حللت ، ولا تتقيد بالأمكنة فان معبودك غير مقيد . أقول : بل هو فوق كل شئ بائنا منه وأزيد على ذلك أن بعض رواة المأثور قالوا إن هذه الآية نزلت قبل الأمر بالتوجه إلى قبلة معينة . وقال آخرون إنها نزلت في تحويل القبلة عن بيت المقدس إلى الكعبة ، ولكن هذا فيه آيات مفصلة ستأتي في أول الجزء الثاني من هذه السورة وقال بعضهم إنها نزلت في صلاة التطوع في السفر لا يشترط فيها استقبال القبلة . وقال آخرون إنهما فيمن يجتهدون في القبلة فيخطئون فإن صلاتهم صحيحة لأن إيجاب استقبال جهة معينة إنما هو للمعنى الاجتماعي في الصلاة ووحدة الأمة فيها . والتعليل يصح في كل قول من هذه الأقوال ، فإنه أينما توجه المصلى في