صلاته الصحيحة فهو متوجه إلى اللّه تعالى لا يقصد بصلاته غيره وهو تعالى مقبل عليه راض عنه . ومن المعلوم أن أهل الكتاب يلتزمون في صلاتهم جهة معينة كالتزام النصارى جهة المشرق وأن استقبال المسلمين الكعبة يقتضى أن يصلى أهل كل قطر إلى جهة من الجهات الأربع فهم يصلون إلى جميع الجهات ، ولا ينافي ذلك توجههم إلى اللّه تعالى والوجه هنا قيل إنه بمعنى الجهة وهو صحيح لغة ، والمعنى : فهناك القبلة التي يرضاها لكم . وقيل إنه على حد ( 58 : 7
ما يَكُونُ مِنْ نَجْوى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رابِعُهُمْ ) .
ووجه المناسبة والاتصال بين هذه الآية وما قبلها ظاهر على هذا التفسير فان فيها إبطال ما كان عليه أهل الملل السابقة من اعتقاد أن العبادة للّه تعالى لا يصح أن تكون إلا في الهيكل والمعبد المخصوص ، وفي إبطال هذا إزالة ما عساه يتوهم من وعيد من منع مساجد اللّه أن يذكر فيها اسمه من أنه وعيد على إبطال العبادة في المواضع المخصوصة ، لأنه إبطال لها بالمرة ، إذ لا تصح إلا في تلك المواضع ، فهذه الآية تنفى ذلك التوهم من حيث تثبت لنا قاعدة من أهم قواعد الاعتقاد وهي أن اللّه تعالى لا تحدده الجهات ، ولا تحصره الأمكنة ، ولا يتقرب إليه بالبقاع والمعاهد ، ولا تنحصر عبادته في الهياكل والمساجد ، وإنما ذلك الوعيد لانتهاك حرمات اللّه وإبطال نوع من أنواع عبادته ، وهو العبادة الاجتماعية التي يجتمع لها الناس في أشرف المعاهد على خير الأعمال التي تطهر نفوسهم وتهذب أخلاقهم
وهذا الضرب من البيان مما امتاز به القرآن على سائر الكلام ، فإنك لترى فيه فنونا من الاستدراك والاحتراس قد جاءت في خلال القصص وسياق الأحكام تقرأ الآية في حكم من الأحكام ، أو عظة من المواعظ ، أو واقعة تاريخية فيها عبرة من العبر ، فتراها مستقلة بالبيان ، ولكنها باتصالها بما قبلها قد أزالت وهما أو تممت حكما ، وكان ينبغي لأهل العربية أن يقتبسوا هذه الضروب من البيان ، ويتوسعوا بها في أساليب الكلام ، فان القرآن قد أطلق لهم اللغة من عقالها ، وعلمهم من الأساليب الرفيعة ما كانت تستحليه أذواقهم ، وتنفعل له قلوبهم ، وتهتز له نفوسهم ، وتتحرك به أريحيتهم ، ولكنهم لم يوفقوا لاقتباس هذه الأساليب