تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 421

مساهمون:

ص٤٢١
العموم ، أي عاملوا جميع الناس بالصفح والعفو ، فان هذا هو اللائق بشأن المؤمنين المتقين ( 25 : 63
الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً وَإِذا خاطَبَهُمُ الْجاهِلُونَ قالُوا سَلاماً )
أقول : العفو ترك العقاب على الذنب ( 9 : 66
إِنْ نَعْفُ عَنْ طائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طائِفَةً )
والصفح الإعراض عن المذنب بصفحة الوجه ، فيشمل ترك العقاب وترك اللوم والتثريب . ( قال الأستاذ الإمام ) وفي أمره تعالى لهم بالعفو والصفح إشارة إلى أن المؤمنين على قلتهم هم أصحاب القدرة والشوكة . لأن الصفح إنما يطلب من القادر على خلافه كأنه يقول : لا يغرنكم أيها المؤمنون كثرة أهل الكتاب مع باطلهم فإنكم على قلتكم أقوى منهم بما أنتم عليه من الحق ، فعاملوهم معاملة القوى العادل ، للقوى الجاهل ( قال ) وفي إنزال المؤمنين على ضعفهم منزل الأقوياء ، ووضع أهل الكتاب على كثرتهم موضع الضعفاء ، إيذان بأن أهل الحق هم المؤيدون بالعناية الإلهية ، وأن العزة لهم ما ثبتوا على حقهم ، ومهما يتصارع الحق والباطل فان الحق هو الذي يصرع الباطل ، كما قلنا غير مرة ، وإنما بقاء الباطل في غفلة الحق عنه . ثم قال تعالى
حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ
فوعدهم بأن سيمدهم بمعونته ، ويؤيدهم بنصره ، ثم أحالهم بقوله
إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ
على قدرته النافذة التي لا يشذ عنها شئ في العالمين ، تأييدا للوعد وكشفا لشبهة من عساه يقول : أنى لهذه الشرذمة القليلة العدد ، الضعيفة القوى ، أن تنتحل لنفسها وصف الملوك العالين ، وتفف مع الأمم القوية موقف العافين قادرين ؟ فجاء الجواب يقول لمثل هذا المشتبه : إن الذي أوقفها هذا الموقف ، ومنحها هذا الوصف ، هو القادر على أن يهبها من القوة ما تتضاءل دونه جميع القوى ، وهو ما يؤيد به سبحانه من يقوم بالحق ويثبت عليه ( 22 : 40
وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ )
وقد فعل . ( أقول ) جعل شيخنا الأمر في الغاية التي قيد بها العفو والصفح واحد الأمور ، إذ فسره بالنصر وأكثر المفسرين جعلوه واحد الأوامر وهو الأمر بقتالهم ، ويعبر بعضهم بآية السيف ويعنون آية التوبة التي فيها حكم الجزية . وقال بعضهم : المراد هنا الأمر بقتل بني قريظة وإجلاء بنى النضير ، وقالوا : إنه توقيت لا يصح أن يسمى منسوخا أي في عرف الأصوليين ، وإن روى عن ابن عباس