تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 387

مساهمون:

ص٣٨٧
البشر كما هو ظاهر فلا بد أن يكون من جاء به مؤيدا بعناية من اللّه تعالى . على أننا لا نسلم بما قالوه على إطلاقه فإنه لا يتجه إلا في ألفاظ معينة كألفاظ آية
( وَقالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ )
الخ وإذا نظرنا إلى المعاني لا سيما الكلية نراها تتجلى في صور كثيرة من النظم الذي تختلف ألفاظه . وأمامنا الآن معنى الآية التي نفسرها وهو أن اللّه أخذ العهد على بني إسرائيل بأن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا وأن يعملوا بشريعته ووصاياه وكان أخذ هذا العهد في موقف رهبة وخشوع يعين على أخذه بالجد والعزيمة إذ كان الجبل مرفوعا فوقهم بصفة لم يعهدوها حتى ظنوا أنه يريد أن يقع بهم ولكنهم لم يلبثوا أن نقضوا هذا الميثاق وتركوا العمل به وعبدوا العجل الذي صاغوه من حليهم بأيديهم عن حب متمكن من النفس ، وغالب على العقل والحس ، وقد ذكر اللّه تعالى هذا المعنى في كتابه غير مرة ولكن بعبارات مختلفة كالآية التي تقدمت وذكر هناك أنهم تولوا عن الميثاقى بعد الأمر بحفظه والعمل به رجاء التقوى ، وكآية الأعراف
( وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ )
وتقدمت الإشارة إليها هناك وكلاهما غاية في البلاغة . * * * وذكره هنا بنظم آخر تنتهى اليه البلاغة في سياق آخر فقال
وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ وَرَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا
ثم التفت عن خطاب الحاضرين إلى الحكاية عن الغابرين فقال
قالُوا سَمِعْنا وَعَصَيْنا
أي إنهم قبلوا الميثاق وفهموه ولكنهم لم يعملوا به بل خالفوه تعنتا وتأولا وليس المراد أنهم نطقوا بهاتين الكلمتين
( سَمِعْنا وَعَصَيْنا )
بل المراد أنهم بمثابة من قال ذلك ، ومثل هذا التجوز معروف في عهد العرب وفي هذا العهد - يعبرون عن حال الانسان وغيره بقول يحكيه عن نفسه حتى حكى مثل ذلك عن الحيوانات والطيور وعن الجمادات أيضا وهو أسلوب أظن أنه يوجد في كل لغة أو في اللغات الراقية فقط . ثم ذكر أقبح أمثلة هذا العصيان بعبارة مدهشة في بلاغتها فقال
وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ
هذه الاستعارة من فرائد الاستعارات يتمثل بها عند ذكر بلاغة القرآن . وإشراب الشئ الشئ مخالطته إياه وامتزاجه به ،
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 387 | الشيخ محمد رشيد رضا