تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 390

مساهمون:

ص٣٩٠
الإلزامية أمام الناس . ولذلك كانت العبرة في الآية عامة فهي واردة في سياق الاحتجاج على اليهود ويجب على المسلمين أن يتخذوها ميزانا يزنون به دعواهم اليقين في الإيمان والقيام بحقوقه لأن اللّه أنزلها لذلك . * * * لو كان المراد بقوله
وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً
أنهم لن يقولوا : يا ليتنا نموت . أو كلمة هذا معناها لكان الاحتجاج عليهم إنما هو بالتجعيز عن لفظ يحركون به ألسنتهم ولكان ذلك من الخوارق الكونية ولما صح تعليل نفى التمني بقوله
بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ
فإن هذا التعليل صريح بأن المانع لهم من تمنى الموت هو أنهم يعرفون من أنفسهم أنهم عاصون مقترفون للذنوب التي يستحقون عليها العقوبة لا أن ألسنتهم عاجزة عن النطق بكلمة تدل على تمنى الموت وإن كذبا ، وكثيرا ما كانوا يكذبون ، وقد أسند الفعل إلى الأيدي لأن أكثر الأعمال تزاول بها ولذلك جرى عرف اللغة على جعلها كناية عن الشخص باعتبار أنه عامل مطلقا . وقد ختم الآية بقوله
وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ
ليبين أنهم ظالمون في حكمهم بأن الدار الآخرة خالصة لهم وأن غيرهم من الشعوب محروم منها ، وأن كل من كان مثلهم مفتاتا على اللّه تعالى فهو ظالم مثلهم . * * * ثم بين حقيقة حالهم في الإخلاد إلى الأرض ، والفناء في حب البقاء ، وأنهم ليسوا على بينة مما يدعون ، ولا ثقة لهم بأنفسهم فيما يزعمون ، فقال
وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلى حَياةٍ
كذلك كانوا وكذلك هم الآن . والظاهر من سيرتهم ونظام معيشتهم أنهم كذلك يكونون إلى ما شاء اللّه وإن كان الظاهر أن الكلام خاص بمن كانوا في عصر التنزيل يحاجهم النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ويشاغبونه ويجاحدونه ، معتزين بشعبهم مغترين بكتابهم ، بل ذهب بعض المفسرين إلى أن المراد علماؤهم فقط . ونكر الحياة للتحقير ، كأنه يقول : إنهم شديد والحرص على الحياة وإن كانت في بؤس وشقاء . ثم خص طائفة من الناس بالذكر عرفوا بشدة الحرص على الحياة وتمنى طول البقاء في الدنيا لأنهم لا يؤمنون بحياة بعدها فقال
وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا
أي أنهم أحرص الناس من جميع الناس حتى