يقال بياض مشرب بحمرة ، أو هو من الشرب كأن الشئ المحبوب شراب يساغ فهو يسرى في قلب المحب ويمازجه كما يسرى الشراب العذب البارد في لهاته . وقد قدر الأكثرون هنا مضافا محذوفا ، فقالوا المراد « حب العجل » وذهب بعض الجامدين على الظواهر إلى أن المراد بالشرب هنا حقيقته . وزعموا أن موسى لما سحق العجل وذراه في اليم طفقوا يشربون المسحوق مع الماء . وغفل صاحب هذا الزعم عن قوله تعالى
( فِي قُلُوبِهِمُ )
والشراب الحقيقي لا يكون في القلب . والشرب غير الإشراب . ولبعض المفسرين مزاعم وقصص في العجل لا يدل عليها وحى منزل ، ولا تاريخ صحيح ينقل ، والباء في قوله
( بِكُفْرِهِمْ )
للسببية أي سبب هذا الحب الشديد لعبادة العجل هو ما كانوا عليه من الوثنية في مصر ، فقد رسخ الكفر في قلوبهم بطول الزمن وورثه الأبناء عن الآباء
وأما السياق الذي وردت فيه هذه الآية بهذا النظم والأسلوب المخالفين لأسلوب تلك الآية مع الاتحاد في المعنى فهو إقامة الحجة على اليهود الذين لم يؤمنوا بالنبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ، ورد زعمهم أنهم مؤمنون بشريعة لا يطالبهم اللّه بالإيمان بغيرها كما قلنا في التي قبلها ، ولذلك ختم الآية بقوله تعالى مخاطبا للنبي عليه الصلاة والسّلام
قُلْ بِئْسَما يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ
أي إن صح زعمكم أنكم مؤمنون بشريعة - والإيمان الحقيقي يقتضى العمل بما له من السلطان على الإرادة - فبئسما يأمركم به ذلك الإيمان من الأعمال التي منها عبادة العجل وقتل الأنبياء ونقض الميثاق . لكن هذا الزعم مشكوك فيه بل يصح القطع بعدمه ، بدليل الأعمال التي يستحيل أن تكون أثرا له . ولا ينسى القارئ ما تقدم من ربط الايمان بالعمل الصالح في تفسير قوله تعالى
( بَلى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ )
الآية
* * *
هذه حجة عليهم بطبيعة الايمان وأثره في عمل المؤمن وتليها حجة أخرى تتعلق بفائدة الايمان ومثوبته في الحياة الأخرى ، وهي قوله عز وجل :
قُلْ إِنْ كانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ
المراد من الدار الآخرة ثوابها ونعيمها ، لأن حال الانسان فيها لا يخلو من أحد الأمرين - المثوبة بالنعيم المقيم ، والعقوبة بالعذاب الأليم ، واستغنى