تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 389

مساهمون:

ص٣٨٩
عن التصريح بالنعيم أو الثواب بقوله
( لَكُمُ )
فإنه يشعر بالمحذوف . وانما أوجز هنا في خطاب اليهود لأنه يحكى عن شئ يعرفونه في أنفسهم ، وقد أوضح المراد بقوله
( خالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ )
والخالصة هي السالمة من الشوائب . ( قال الأستاذ الامام ) فسر مفسرنا ( الجلال ) الخالصة بالخاصة وقالوا إنه استعمال لم يعهد في الكلام الفصيح ، والتخصيص مفهوم من قوله
( مِنْ دُونِ النَّاسِ )
يقول إن صحت دعواكم وصدق قولكم إنه لن يدخل الجنة إلا من كان هودا وأنكم شعب اللّه المختار فلن تمسكم النار إلا أياما معدودات لا تزيد على أيام عبادة العجل ولا تتجاوز عابديه ، فتمنوا الموت الذي يوصلكم إلى ذلك النعيم الخالص الدائم ، الذي لا منازع لكم فيه ولا مزاحم ، وإن لم تتمنوا الموت فما أنتم بصادقين ، إذ لا يعقل أن يرغب الانسان عن السعادة ويختار الشقاء عليها . والتمني هو ارتياح النفس وتشوفها إلى الشئ توده وتحب المصير اليه . وروى عن ابن عباس تفسير التمني بالسؤال والطلب ، وهو غير معروف عن غيره من العرب . ولعله فسره باللازم ، فان من تمنى شيئا طلبه بالقول أو الفعل أو بهما . وقد روى عن كثير من الصحابة عليهم رضوان اللّه تمنى الموت عند القتال وبعد القتال يعبرون بألسنتهم عما في نفوسهم ، وما هو إلا صدق الإيمان بما أعد اللّه للمؤمنين في الدار الآخرة ( أقول ) تفسير التمني بلازمه القولي كما نقل عن ابن عباس أو العملي كالتعرض للقتل في سبيل الايمان كما نقل عن غيره يدفع إيراد من يقول : إذا كان المراد بالتمنى تمنى النفس فلا يظهر صدق قوله تعالى في الآية التي بعد هذه الآية
( وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ )
وقد ظهر صدقها على الوجه الأول فلم يتمن أحد من المخاطبين الموت ، وقد ورد أنهم لو تمنوا الموت لماتوا رواه البخاري : وما قاله الأستاذ الإمام في تفسير التمني بحقيقته يدفع كل إيراد . فقد قال : إن الكلام حجة على مدعى الإيمان واستحقاق ما أعده اللّه لأهله في الآخرة تقنعهم في أنفسهم بأنهم إما صادقون في دعواهم وذلك إذا كانوا يتمنون في أنفسهم الموت والوصول إلى الدار الآخرة ويبذلون أرواحهم في سبيل اللّه بارتياح إذا كان حفظ الحق يقتضى بذلها ، وإما كاذبون فيها ، وذلك إذا كانوا شديدي الحرص على هذه الحياة . وليس المراد به الحجة