تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 384

مساهمون:

ص٣٨٤
هو ما حققه الإمام عبد القاهر في دلائل الإعجاز ، ولم يشر إليه شيخنا هنا لأنه لم يكن عند تفسير هذه الآيات قد قرأ دلائل الاعجاز ، وقوله
( مُصَدِّقاً لِما مَعَهُمْ )
حال مفردة مؤكدة والأصل فيها المقارنة لما هي قيد له ؛ وهو يتضمن إثبات كفرهم بالتوراة بالتبع لكفرهم بالقرآن المصدق لها ولو فيما صدقها فيه ، والكفر ببعضه كالكفر به كله كما تقدم بيانه قريبا . ومن مباحث اللفظ أيضا : وضع المضارع تقتلون ) موضع الماضي ( قتلتم ) لما سبق بيانه في مثل هذا التعبير من إرادة ستحضار صورة هذا الجرم الفظيع مبالغة في التقريع ، وإغراقا في التشنيع ، ولما كانت هذه الصيغة تدل على الحال فتوهم أن الّذين في زمن التنزيل كانوا لا يزالون يقترفون هذه الجريمة على أنه لم يكن في ذلك العهد أنبياء إلا من يبكتهم ويحتج عليهم - وصلها بقوله ( من قبل ) دفعا لذلك الوهم . والفاء في قوله ( فلم ) واقعة في جواب شرط دل عليه ما بعده وقد سبق القول غير مرة بأن خطاب الخلف بإسناد ما كان من سلفهم إليهم مقصود لبيان وحدة الأمة وتكافلها وكونها في الأخلاق والسجايا المشتركة بين أفرادها كالشخص الواحد ، وبيان أن ما تبلى به الأمم من الحسنات والسيئات إنما هو أثر الأخلاق الغالبة عليها والأعمال الفاشية فيها منبعثة عن تلك الأخلاق فما جرى من بني إسرائيل من المنكرات لم يكن من قذفات المصادفة ، وإنما كان عن أخلاق راسخة في الشعب تبع الآخرون فيها الأولين ، إما بالعمل وإما بالاقرار وترك الإنكار . ولو أنكر المجموع ما كان من بعض الأفراد لما تفاقم الأمر ، ولما تمادى واستمر . فالحجة تقوم على الحاضرين بأن الغابرين قتلوا الأنبياء فأقرهم من كان معهم ، ولم يعدوا ذلك خروجا من الدين ولا رفضا للشريعة ، وتبعهم من بعدهم على ذلك ، وفاعل الكفر ومجيزه واحد ، وقد سبق تقرير هذا غير مرة * * * ( 92 )
وَلَقَدْ جاءَكُمْ مُوسى بِالْبَيِّناتِ ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظالِمُونَ * وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ وَرَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا ، قالُوا سَمِعْنا وَعَصَيْنا ، وَأُشْرِبُوا فِي
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 384 | الشيخ محمد رشيد رضا