الحجج كلها بطلان شبههم وكذبهم في دعواهم وأنه لا عذر لهم في ترك الايمان
قال
وَلَقَدْ جاءَكُمْ مُوسى بِالْبَيِّناتِ ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ
أي من بعد هذا المجىء لا من بعد موسى والمراد أنه لم يكن لهم عذر في ذلك الاتخاذ فإنه بعد بلوغ الدعوة ، وقيام الحجة ، ولذلك قال
وَأَنْتُمْ ظالِمُونَ
وأي ظلم أعظم من الشرك باللّه تعالى ؟ ولا تغفل عن الايجاز في قوله
( مِنْ بَعْدِهِ )
وحذف مفعول
( اتَّخَذْتُمُ )
أي اتخذتموه إلها
ثم ذكرهم هنا أيضا بأخذ الميثاق ورفع الطور كما ذكرهم به في آية تقدمت ، وقد قال هناك
( خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا ما فِيهِ )
وقال هنا
( خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا )
وأمرهم في تلك بالحفظ وأمرهم في هذه بالفهم والطاعة . وقلنا في تفسير
( وَاذْكُرُوا )
إن المراد الحث به على العمل فالعبارتان تتلاقيان في المعنى والمراد .
وفي اختلاف النظم والأسلوب حجة على الذين توهموا أن إعجاز القرآن في البلاغة إنما هو في السبق إلى العبارة التي يتأدى بها المعنى على أكمل الوجوه الممكنة في نظم الكلمات العربية . رأى هؤلاء أن المعنى الذي يفيد علما بشئ ما له كلمات في اللغة تؤديه بوجوه من النظم وأن الكلمات والوجوه محدودة فمن سبق إلى أتمها أداء وأبلغها تأثيرا كان كالسابق إلى انتقاء أكرم جوهرة من طائفة من الجواهر أمامه أو إلى أنفس عقد وأحسنه نظما من عقود عرضت عليه . مثال ذلك قوله تعالى ( 40 : 28
وَقالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمانَهُ أَ تَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ )
قال علماء هذا الشأن إنه يتألف من هذه الكلمات عشرة ضروب من النظم بالتقديم والتأخير ، ما من ضرب منها إلا وهو منتقد بالخطل أو إيهام خلاف المراد أو الخطأ في الاعراب إلا نظم الآية فهو الذي يؤدى المعنى على أكمل الوجوه ولا يتأتى نظم آخر يؤدى مؤداه . وزعم بعض الناس أن هذا الاعجاز ليس إلهيا
لو أخذ ما قالوه مسلما على إطلاقه لكان لنا أن نقول إنه ليس في قدرة أحد من البشر أن يأتي بكلام طويل يتجلى له في كل جملة منه جميع التكلمات التي تدخل في تأدية المعنى المراد له وجميع ضروب النظم ووجوه الأساليب الممكنة في ترتيب تلك الكلمات وتأليفها فيختار الأحسن الأبلغ منها . وإذا لم يكن هذا في قدرة