تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار ) — صفحة 372

مساهمون:

ص٣٧٢
وقد أورد النهى عن سفك بعضهم دم بعض وإخراج بعضهم بعضا من ديارهم وأوطانهم بعبارة تؤكد معنى وحدة الأمة ، وتحدث في النفس أثرا شريفا يبعثها على الامتثال إن كان هناك قلب يشعر ، ووجدان يتأثر ، فقال
لا تَسْفِكُونَ دِماءَكُمْ
فجعل دم كل فرد من أفراد الأمة كأنه دم الآخر عينه حتى إذا سفكه كان كأنه بخع نفسه وانتحر بيده . وقال
وَلا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ
على هذا النسق . وهذا التعبير المعجز ببلاغته خاص بالقرآن . فهذه الأحكام لا تزال محفوظة عند الإسرائيليين في الكتاب وإن لم يجروا عليها في العمل ، ولكن العبارة عنها عندهم لا تطاول هذه العبارة التي تدهش صاحب الذوق السليم ، والوجدان الرقيق ، فهذا إرشاد حكيم طلع من ثنايا الأحكام يهدى إلى أسرارها ، ويومىء إلى مشرق أنوارها ؛ من تدبره علم أنه لا قوام للأمم ، إلا بالتحقق بما تضمنته هذه الحكم ، وشعور كل فرد من أفرادها بأن نفسه نفس الآخرين ودمه دمهم . لا فرق في الاحترام بين الروح التي تجول في بدنه والدم الذي يجرى في عروقه وبين الأرواح والدماء التي يحيا بها إخوانه الذين وحدت بينه وبينهم الشريعة العادلة والمصالح العامة ، هذا هو الوجه الوجيه في الآية ، وقيل : معناها لا ترتكبوا من الجرائم ما تجازون عليه بالقتل والإخراج من الديار . ويقال في قوله
( لا تَسْفِكُونَ )
كما قيل قبله في قوله
( لا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ )
من تضمن صيغة الخبر للتأكيد . وقوله تعالى
ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ
فيه وجهان ( أحدهما ) أنه يخاطبهم بما كان من اعتراف سلفهم بالميثاق وقبوله وشهودهم الوحي الذي نزل به على موسى عليه الصلاة والسّلام . و ( ثانيهما ) أن المراد الحاضرون أنفسهم ، أي أنكم أيها المخاطبون بالقرآن قد أقررتم بهذا الميثاق وتعتقدونه في قلوبكم ، ولا تنكرونه بألسنتكم ، بل تشهدون به وتعلنونه ، فالحجة ناهضة عليكم به . ثم بعد بيان هذا الميثاق وتسجيله عليهم بأنهم يعرفونه لا ينكرون منه شيئا * * * ذكر نقضهم إياه فقال
ثُمَّ أَنْتُمْ هؤُلاءِ
الحاضرون الشاهدون المشاهدون
تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ
أي يقتل بعضكم بعضا ، كما كان يفعل من قبلكم مع اعترافكم