ويبيحون باجتهادهم ويحظرون ، ويزيدون في الأحكام والشرائع ، ويضعون ما شاءوا من الاحتفالات والشعائر ، فصدق عليهم أنهم اتخذوا من دونه شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به اللّه فان اللّه هو الذي يضع الدين وحده . وإنما العلماء أدلاء يستعان بهم على فهم كتابه وما شرع على ألسنة رسله . وقد اتبع سنن اليهود في هذا التشريع جميع من بعدهم من أهل الملل وحكم الجميع عند اللّه تعالى واحد لا يختلف فهو لا يحابى أحدا
( وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً )
وكذلك كانوا قد قطعوا صلات القرابة ، وبخلوا بالنفقة الواجبة ، وتركوا النهى عن المنكر .
وفقدوا روح الصلاة ، ومنعوا الزكاة ، ولكنهم الآن عادوا إلى بعض ما تركوا .
ولم يعد الذين تشبهوا بهم ، أو اتبعوا بغير شعور سنتهم ، والأمر للّه العلى الكبير
وأما قوله
إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ
فهو استثناء لبعض من كانوا في زمن سيدنا موسى عليه السّلام أو في كل زمن ، فإنه لا تخلو أمه من الأمم من المخلصين الذين يحافظون على الحق بحسب معرفتهم وقدر طاقتهم . والحكمة في ذكر هذا الاستثناء عدم بخس المحسنين حقهم وبيان أن وجود قليل من الصالحين في الأمة لا يمنع عنها العقاب الإلهى إذا فشا فيها المنكر وقل المعروف .
لو تدبر جهالنا هذه الآية لعلموا أنهم مغرورون بالاعتماد على الأقطاب والأوتاد والأبدال في تحمل البلاء عنهم ، ومنع العذاب أن ينزل بالأمة ببركتهم ، فلو فرض أن هؤلاء الأقطاب موجودون حقيقة فإن وجودهم لا يغنى عن الأمة شيئا ، وقد عصى اللّه جماهيرها ونقضوا ميثاقه الذي واثقهم به . فقد جرت سنته تعالى في خلقه بأن بقاء الأمم عزيزة إنما يكون بمحافظة الجماهير فيها على الأخلاق والأعمال التي تكون بها العزة ويحفظ بها المجد والشرف . ومن لم يعتبر بآيات اللّه في كتابه ، لا يعتبر بآياته وسننه في خلقه ، فقد فتن المسلمون في دينهم ودنياهم وحل بجميع بلادهم ما حل من البلاء وهم لا يعتبرون ( 47 : 24
أَ فَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها ؟ )
( 9 : 13
أَ وَلا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ . ثُمَّ لا يَتُوبُونَ وَلا هُمْ يَذَّكَّرُونَ )